باب السنة
من شمائل النبى صلى الله عليه وسلم
بقلم : فضيلة الشيخ محمد على عبد الرحيم رحمه الله
الرئيس العام السابق للجماعة
روى مالك فى الموطأ ، عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : إنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق . (1)
كانت العرب قبل الإسلام قبائل متفرقة فى أنحاء الجزيرة العربية ، ولكل قبيلة أمير أو أمراء ، يعيشون على الرعى ، ولكنهم كانوا يشنون الغارات ، وينهبون التجارات ، ويئدون البنائ خشية العار أو الفاقة ، وقل أن تخمد نار الحرب بينهم ، ولكن رابطة اللغة والالتقاء فى مواسم الحج ، من الأواصر التى تجمعهم فى موسم معين ، بالرغم من اختلاف أديانهم ، إذ كانوا يعبدون الأصنام ، ويقدسون الأوثان ، وظلوا على ذلك قروناً عديدة لا تجمعهم كلمة ، ولا يضمهم دين ، فى عداء وقتال ونزال ، ونهب وسلب ، وتحاسد وتباغض ، وتفاخر بالأحساب والأنساب .
ومن وسائل حروبهم : بث العداوة بين القبائل ، بواسطة الخطباء والشعراء ، يستحثون العزائم ، ويحضون على الطعن والنزال ، ولعل حرب البسوس خير شاهد على ذلك .
فى وسط هذا الجو الصاخب ، ولد النبى صلى الله عليه وسلم ، ونشأ فى هذه البيئة ، محوطاً بعناية الله تعالى ، فهو دعوة أبيه إبراهيم . وبشارة عيسى عليهما الصلاة والسلام .
وكانت قريش صفوة العرب ، تدين لها القبائل بالشرف والمكانة وسمو المنزلة ، لما كان لها من السدانة والسقاية فى بيت الله الحرام .
اختاره الله تعالى من أرفع البيوت شرفاً ونسباً ، فهو ينحدر من إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ، وشب يحرسه الله ويرعاه ، وأدبه فأحسن تأديبه ، بعيداً عن الفحش ، غير منخرط فيما ينخرط فيه الصبية ، مما يؤثر على عقولهم ونفوسهم ولذا احتقر وهو صغير تعظيم الأصنام وعبادتها ، وضلالات الوثنية وأوهامها ، فنشأ طاهر العقيدة ، على جميل الصفات ، وحميد الخصال ، لم يسجد لصنم فى صباه ، ولم يشارك قومه فى أعيادهم ، ولم يأكل من لحم قرابينهم ، صنعه الله على أكمل ما يكون . فكان أحسن الناس خلقاً ، وأبعدهم عن الفحش ، أميناً صادقاً ، على أعلى درجات الصدق والأمانة ، حتى عرف بين قومه بالصادق الأمين .
ولما كان شاباً : ملك على قريش مشاعرهم بفطرته السليمة ، وأخلاقه الكريمة : بحلمه وتواضعه ، ورجاحة عقلة ، وعلمه ، وفصاحة لسانه ، وصدق لهجته ، ووفائه وزهده ، وعفوه وثباته ، وكرمه وبشاشته ، وحسن رفادته للضيف والغريب .
أراد وهو صبى التخفيف عن عمه أبى طالب ، فرعى الغنم على قراريط لأهل مكة ليأكل من ثمرة عمله ، وكسب يده ، وأوصى عمه العباس أن يكفل جعفر بن أبى طالب تخفيفاً عن عمه كثير العيال .
ولما اشتهر بين الناس بما هو عليه من حميد السجايا ، عرضت عليه خديجة رضى الله عنها أن يخرج مع غلامها ميسرة إلى الشام ليتاجر فى مالها . فظهرت براءته وطهاؤته ، ويسر معاملته ، مما جعل ميسرة يترنم بمديحه والثناء عليه عند سيدته خديجة ، فما وسعها إلا أن تخطب المصطفى صلى الله عليه وسلم لنفسها ، وعاش معها على أتم وفاق ، ولم يفكر فى الزواج من غيرها بعد وفاتها . ثم إنه صلى الله عليه وسلم كلما تقدمت به السن ، اشتدت رغبته فى العزلة ، ( استعداداً لمناجاة ربه ) فأخذ يخلو بغار حراء ، الذى شرفه الله فيه بالنبوة ، ليكون رسول رحمة للعالمين ، وليكون بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً .
دعا إلى الله تعالى بعزيمة لا تكل ، فكان أصلب الناس عوداً فى الحق ، وافر الحلم والاحتمال : يصل من قطعه ، ويعطى من حرمه ، ويعفو عمن ظلمه ، ولا يزيده جهل الجهلاء إلا صبراً وحلماً .
وصفه كفار مكة بأخس الصفات ، فتارة يقولون عنه إنه كاهن وتارة يقولون عنه إنه مجنون ، وتارة يقولون عنه إنه شاعر . فذب الله عنه فى سورة الحاقة بقوله تعالى : ” إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ* تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ” .
وكان يدفع السيئة بالتى هى أحسن ، يتفضل بالعفو على من شتمه أو سبه أو آذاه ، وقد يحسن إليه بالفضل والطول . كما عفا عمن كسر رباعيته ، وشج رأسه فى غزوة أحد ودعا لهم وعفا عنهم .
ومن ذلك ما رواه ابن هشام : أن أعرابياً جاءه يوماً يطلب منه شيئاً ، فأعطاه صلى الله عليه وسلم . ثم قال له : أحسنت إليك ؟ قال الأعرابى : لا أحسنت ، ولا أجملت ، فغضب المسلمون ، وقاموا إليه ، فأشار إليهم أن كفوا . ثم دخل منزله . وأرسل إلى الأعرابى . وزاده شيئاً . ثم قال : أحسنت إليك ؟ قال : نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً . فقال له النبى صلى الله عليه وسلم : إنك قلت ما قلت وفى نفس أصحابى شىء من ذلك . فإذا أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدى ، حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك . قال : نعم . فلما كان الغداة جاء . فقال النبى صلى الله عليه وسلم ” إن ه


