باب السنة
يقدمه
فضيلة الشيخ / محمد علي عبد الرحيم
الرئيس العام للجماعة
مواساة الفقراء وإكرام الأضياف
جاء في صحيح البخاري رحمه الله أن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال : إن أصحاب الصفة كانوا أناسا فقراء ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال مرة : من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث . ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس . أو كما قال . وإن أبا بكر جاء بثلاثة . بثلاثة . وانطلق النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة ، وأن أبا بكر تعشى عند النبي صلى الله عليه وسلم ، لما لبث حتى صلى العشاء ثم رجع . فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء لله . قالت له امرأته : ما حبسك عن أضيافك ؟ قال : أو ما عشيتهم ؟ قالت : أبوا حتى تجئ . قد عرضوا عليهم فغلبوهم . قال : فذهبت فاختبأت . فقال يا غنثر – فجدع وسب – وقال كلوا . والله : لا أطعمه أبدا . قال : وأيم الله ما كنا نأخذ من اللقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها ، حتى شبعوا وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك . فنظر أبو بكر فإذا شئ أو أكثر . فقال لامرأته : يا أخت بني فراس ما هذا : قالت لا وقرة عيني لهى الآن أكثر مما قبل بثلاث مرار . فأكل منها أبو بكر . وقال إنما كان ذلك من الشيطان – يعني يمينه – ثم أكل منها أبو بكر . وقال إنما كان ذلك من الشيطان – يعني يمينه – ثم أكل منها لقمة ، ثم حملها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأصبحت عنده . وكان بيننا وبين قوم عهد . فمضى الأجل فتفرقنا اثنا عشر رجلا مع رجل منهم أناس الله أعلم كم مع كل رجل . فأكلوا منها أجمعون ) كما رواه مسلم وأبو داود .
تعريف بالراوي
عبد الرحمن بن أبي بكر ، كان اسمه عبد الكعبة فغيره النبي صلى الله عليه وسلم ، وتأخر إسلامه إلى أيام الهدنة ( هدنة الحديبية) فأسلم وحسن إسلامه ، وأمه أم رومان والدة عائشة لم يهاجر مع أبيه أبي بكر لأنه كان صغيرا ، وهو أكبر أولاد أبي بكر ، وقال سعيد بن المسيب لم يجرب على عبد الرحمن كذبة قط . وكان شجاعًا راميا يحسن الرماية ، شهد موقعة اليمامة (حى مسيلمة الكذاب) فقتل سبعة من أكابرهم . وعن عبد الله بن نافع قال : خطب معاوية بالشام فدعا إلى بيعة ابنه يزيد . فكلمه الحسين بن علي والزبير وعبد الرحمن ابن أبي بكر . ليثنوه عن ذلك حتى لا تكون الخلافة ملكية وراثية) أي أنكروا على معاوية ذلك . وقال عبد الرحمن : أهرقلية ؟ كلما مات قيصر ، كان قيصر مكانه ؟ لا نفعل والله أبدًا – ويروي عبد العزيز الزهري أن معاوية بعث إلى عبد الرحمن بعد ذلك بمائة ألف درهم فردها وقال لا أبيع ديني بدنياي . وخرج إلى مكة فمات في موضع يبعد عنها عشرة أميال فحمل إلى مكة ودفن بها وكان موته عام ثلاثة وخمسين من الهجرة . رضي الله عنه وعن أبيه .
معاني المفردات
أصحاب الصفة : الصفة مكان في مؤخر مسجد رسول الله صلى الله لعيه وسلم ، مظلل أعد لنزول الغرباء الفقراء الذين لا مأوى لهم ولا أهل .
فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله : يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب تأخير صلاة العشاء .
عرضوا عليهم فغلبوهم : أي عرض آل أبي بكر على الأضياف العشاء فأبوا وامتنعوا حتى غلبوهم .
فذهبت فاختبأت : اختبأ عبد الرحمن من خصام أبيه أبي بكر لتغيظه عليه لتأخير عشاء الضيوف .
قال : يا غنثر : بضم الغين وسكون النون وفتح الثاء – قيل معناه التحقير ، بمعنى الجاهل أو السفيه أو اللئيم . وقد ناداه أبو بكر بهذا اللقب من شدة غضبه تحقيرًا له وتصغيرًا .
فجدع وسب : دعا عليه بالجدع وهو قطع الأذن ، والسب الشتم .
قال لا أطعمه أبدا : هذا قول أبي بكر من غضبه ، نظرا لأنهم لم يأكلوا ، انتظارًا لمقدمه لتحصل بركة الاجتماع على الطعام . قال : لا أطعمه وحلف . وفي مسلم أن أبا بكر أقسم فقال والله لا أطعمه أبدا . وكذلك عند أبي داود .
وأيم الله : معناها أيم الله قسمى ، أي قسما بالله .
إلا ربا : أي كلما أكلوا من الطعام ربا وزاد من أعلاه ومن أسفله وكان الطعام في جفنته (وهي الإناء العميق) مثل القصعة الصغيرة .
يا أخت بني فراس : من سرور أبي بكر ببركة الطعام وتكثيره – نادى امرأته ليبلغها بالبركة الحاصلة . وقد خاطبها أبو بكر باسم قبيلتها بني فراس – وهي أم رومان أم عائشة رضي الله عنها .
قرة العين : يعبر عنها بالسرور .
فأكل منها أبو بكر : لما رأى من بركة الطعام الذي يزيد ولا ينقص من الآكلين أراد أن تحصل البركة فأكل مع أنه أقسم ألا يطعمه . ولكن من السنة أن يكفر الإنسان عن يمينه إذا وجد خيرًا في حنث اليمين وهذا هو الذي فعله أبو بكر . وتعتبر الكفارة حفظًا لليمين واحترامه .
وقال إنما كان من الشيطان : يعني كان الشيطان هو الحامل له للحلف عند الغضب وقال ذلك في مقام الندم .
تفرقنا اثنا عشر رجلا مع كل رجل منهم أناس : وعند مسلم اثنى عشر بالنصب وهو ظاهر ومن النحاة من يجعل المثنى بالرفع في أحوال الإعراب الثلاثة . قال ابن حجر و


