باب السنة
يقدمه فضيلة الشيخ محمد على عبد الرحيم
الرئيس العام للجماعة
يسر الإسلام
عن سعد القبري عن أبى هريرة رضى الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( إن الدين يسر ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه . فسددوا وقاربوا ، واستعينوا بالغدوة والروحة وشئ من الدلجة ) رواه البخارى والنسائي .
معانى المفردات
لن يشاد = أى لا يتعمق ولا يتنطع
إلا غلبه = المراد أن المشادة والتنطع فى الدين يدعو إلى الملل والانقطاع
سددوا = إلزموا السداد وهو الصواب . وفى اللغة السداد : التوسط فى العمل .
استعينوا بالغدوة = أى بالسير فى السفر أول النهار
الروحة = السير بعد الظهر
الدلجة = السير آخر الليل – والمعنى اجعلوا عبادتكم فى الأوقات النشطة .
المعنى
دين الإسلام ذو يسر لا عسر فيه ، فقد رفع عن الأمة الإسلامية الآصار والأغلال . وكان بنو إسرائيل يتوبون بقتل أنفسهم ، أما التوبة فى الإسلام فبالإقلاع والعزم والندم ، وخصال الإسلام كلها ميسرة ومحبوبة . وما كان منها سمحا وسهلا فهو أحب إلى الله تعالى . ويؤيد ذلك ما رواه أحمد ( خير دينكم أيسره ) .
وحينما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا وأبا موسى إلى اليمن قال لهما ( يسرا ولا تعسرا ، وبشرا لا تنفرا ) رواه البخارى .
والتيسير سهل على النفس ، فلا يكثر ولا ينقطع للطاعة حتى تملها النفس وتسأمها . فالذي يشق عليه القيام فى الصلاة يتركه إلى القعود ، والذي يشق عليه الصيام لمرض أو سفر يتركه إلى الإفطار . والذي يصعب عليه الوضوء بالماء لمرض أو للبرد القارس ، ولم يتيسر له الماء الدافئ له أن يتيمم ، وهكذا يرفق بنفسه ولا يعسر عليها وهذا ليس معناه التساهل لدرجة التفريط ، ولكن المقصود هو الاعتدال أى لا إفراط ولا تفريط لأن التقصير والغلو كلاهما غير محمود لخروجه عن الصواب .
وفى حديث جابر رضى الله عنه ( إن هذا الدين متين ، فأوغلوا فيه برفق ، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ) ومعنى المقاربة فى قوله صلى الله عليه وسلم ( وقاربوا ) أى عدم الغلو فى العبادة ، لأن إجهاد النفس ومغالبتها يفضي إلى العجز . والمطلوب أن يقارب المرء فى الأعمال ولا يبالغ فيها ، حتى لا يقع فى درجة التنطع الذى نهى الرسول عنه بقوله الكريم ( هلك المتنطعون ) ثلاثا أى المتشددون .
ومن التنطع فى العبادات أن يقف أحد المأمومين فى الصلاة مجافيا قدميه مسافة تزيد عن عرض كتفيه ، والمطلوب ألا يلصق قدميه كما يفعل الجنود فى ( طوابيرهم ) بل يبعد القدمين بمسافة تعادل ما بين كتفيه ، حتى لا يضع إحدى قدميه تحت كتف من جاوره فى الصف أثناء الصلاة ، كما أنه إذا سجد فى صلاة الجماعة يلزمه أن يراعى عدم المضايقة إذا جافى بين ذراعيه أثناء السجود ، وفى النصيحة ، أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر ، ينبغى أن يتجنب الغلظة فى القول ، والقسوة فى الموعظة .
ومن التنطع فى العبادة أيضا ، عدم الأخذ بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم فى السفر ، وذلك بإتمام الصلاة الرباعية بدلا من قصرها إلى ركعتين كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل .
ومن يسر الإسلام وسهولته : الإشفاق على المصلين فى البرد الشديد ، أو المطر أو الوحل فى الطريق ، وذلك بالجمع بين صلاتي المغرب والعشاء جمع تقديم فى غير سفر ، حتى لا يتعرض المصلون للضرر فى السعي لصلاة العشاء وفى كتاب الله العزيز ” يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ” .
وقد ورد عن المعصوم صلى الله عليه وسلم فى حديث عائشة رضى الله عنها ( ما خير ” بالبناء للمجهول ” رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه ) .
وقد لاحظنا فى العادات بعض التصرف الذى يدل على التنطع من المتنطعين ، فتراه إذا دعي إلى طعام وليمة أو عقيقة ، وجاء مع الطعام ملاعق ، رفض أن يأكل بها بحجة أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يأكل بها . ونقول لهذا المتنطع إن الأكل باليد أو بالملعقة سواء ، واستعمال الملعقة من المباح شرعا لأنه عادة لا عبادة .
لا نريد تشويه الدين بهذا الغلو أو التنطع كالتزام لباس معين فى ثيابه أو رأسه فقد ورد أن النبى صلى الله عليه وسلم استعمل العمامة أو القلنسوة ، وفى الثياب استعمل الرداء والإزار ، واشتمل بالشملة ، واستعمل البردة ، والعباء والقميص . ولم يلتزم شيئا معينا ، يميزه عن غيره من الناس .
وختم الرسول صلى الله عليه وسلم الحديث بقوله ( واستعينوا بالغدوة والروحة وشئ من الدلجة ) فيه توجيه كريم إلى الاستعانة على العبادة بإيقاعها فى الأوقات المنشطة .
وإذا كان عليه الصلاة والسلام قد اختار أطيب أوقات السفر لحصول النشاط فيها ، فإن هذه الأوقات أروح ما يكون البدن للعبادة .
وفقنا الله تعالى للعمل الذى يرضيه وصلى الله وسلم وبارك على رسوله الكريم .
محمد على عبد الرحيم


