باب السنة
يقدمه
فضيلة الشيخ محمد على عبد الرحيم
الرئيس العام للجماعة
2- صلاة الجماعة
فضلها والوعيد الشديد لمن يتركها
1- عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه، أن رجلاً أعمى قال: يا رسول اللَّه: ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول اللَّه أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له. فلما ولى دعاه فقال: ” هل تسمع النداء” قال نعم. قال: ” فأجب” رواه مسلم والنسائي.
2- وعن عبد اللَّه بن مسعود قال: لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق. ولقد كان الرجل يؤتي به، يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف. رواه مسلم وغيره.
معانى المفردات
في الحديث الأول:
رجل أعمى = هو عبد اللَّه بن أم مكتوم رضي اللَّه عنه، أسلم قديمًا بمكة، وكان من المهاجرين الأولين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستخلفه في المدينة في جميع غزواته ليصلي بالناس، وبسببه نزلت سورة ( عبس وتولى ) التي عاتب اللَّه تعالى نبيه من أجل عبد اللَّه بن أم مكتوم والقصة مشهورة في كتب التفاسير.
فرخص له = قيل إن الترخيص كان اجتهادًا من الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقبل عذره لكونه كفيف البصر، أو لعدم الجزم بسماعه الأذان.
ولى = انصرف دعاه = ناداه
هل تسمع النداء = هل تسمع الأذان؟
وفي الحديث الثاني:
رأيتنا = هذا الفعل جمع بين ضميري المتكلم والمتكلمين فالأول في محل رفع على الفاعلية، والثاني في محل نصب على المفعولية.
وما يتخلف عنها = أي عن الصلوات الخمس في جماعة.
المنافق = هو الذي يتظاهر بالإيمان ولكنه يستر الكفر، والمنافق أشد خطرًا من الكافر البين كفره.
يهادى بين الرجلين = أي يمسكه رجلان معتمدًا عليهما من جانبيه من شدة مرضه حرصًا منه على صلاة الجماعة بالمسجد.
المعنى
ذكرنا في عدد جمادى الآخرة من العام الحالي بمجلة التوحيد حكم صلاة الجماعة، وأن الأرجح فيها أنها واجبة، وأن الدين قد شدد في الحرص عليها حتى هم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت من تخلفوا عن الجماعة، وهم قادرون على أدائها بالمسجد، ثم أوضحنا الحكمة في صلاة الجماعة بما يغني عن الإعادة.
وإتمامًا للموضوع نقول مستعينين باللَّه تعالى:
في الحديث الأول:
يوضح مدى حرص صحابة النبي صلى الله عليه وسلم على الخير، ومنهم عبد اللَّه بن أم مكتوم. فقد عرض عذره على الرسول عليه الصلاة والسلام، بأنه أعمى، وليس له من يقوده إلى المسجد. فقبل النبي عذره في أول الأمر، إشفاقًا منه ورحمة بالمؤمنين معتمدًا على قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ}- ولكن صلاة الجماعة ليست كساحة الوغي، فأوحى إلى الرسول بأن استماع الأعمى للأذان يسقط حجته في التخلف عن الجماعة، وخاصة بعد أن عرف عن الأعمى حذقه وذكاؤه، كما هو مشاهد في كثير من العميان من أنهم يمشون بلا قائد، لا سيما إذا كانوا يعرفون المكان قبل العمى، أو يتكرر المشي بما يغنيه عن القائد.
ويستفاد من هذا الحديث تأكيد أمر الجماعة، وتحمل المشاق في حضورها بالمسجد، ويؤيد ذلك حديث ابن عباس عن ابن ماجة والدارقطني وابن حبان: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من سمع النداء فلم يأت الصلاة، فلا صلاة له- وليس معنى هذا بطلان الصلاة، ولكن حرمان فاعلها من الأجر والثواب والعياذ باللَّه- وذلك إذا لم يكن معذورًا كالمريض والمسافر أو عاقه إلى المسجد ريح شديد أو مطر أو وحل، كما أسلفنا في عدد سابق- وليس في هذا ما ينقص الأجر والثواب بدليل ما رواه أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا مرض العبد أو سافر كتب اللَّه مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا” رواه البخاري وأبو داود وأحمد- وكل امرئ يؤجر حسب نيته، فلو نوى الجماعة وراح إلى المسجد فوجد الجماعة قد فاتته دون تقصير منه فله عند اللَّه أجر صلاة الجماعة، بدليل ما رواه أبو هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : ” من توضأ فأحسن الوضوء ثم راح فوجد الناس قد صلوا، أعطاه اللَّه عز وجل مثل أجر من صلاها وحضرها” رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
والحديث الثاني أثر عن ابن مسعود، يؤكد فيه أنه لا يتخلف عن صلاة الجماعة في المسجد إلا منافق معلوم النفاق، وأن الصحابة ما كانوا ليتخلفوا عن الجماعة ولو نزل بهم المرض، حتى إن الرجل منهم من شدة حرصه على الجماعة، يتكلف الحضور إلى المسجد معتمدًا على رجلين ممسكًا بهما، وذلك لما يرون من اجتماع المسلمين، والتعرف إليهم، وجمع القلوب على الخير في أجلّ عبادة مهذبة للنفس، مرقية للشعور، مذكرة بالواجب، تنهي عن الفحشاء والمنكر.
كما أنها تزيل الفوارق بين الناس، وتقرب الحاكم من المحكوم، والأمير من المأمور، والشريف من الوضيع، وفيها تتجلى المساواه بين الناس بأجلى معانيها، هذا إلى جانب الثواب العظيم، والأجر المدخر. فعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : ” صلاة الرج


