بسم الله الرحمن الرحيم
باب التفسير
يقدمه عنتر أحمد حشاد
سورة البقرة
[وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ(92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا ءَاتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(93)]
لا تزال الآيات تخاطب بني إسرائيل المعاصرين للنبي – صلى الله عليه وسلم – تفند مزاعهم وتدحض دعواهم الإيمان بالتوراة معددة خطاياهم مبينة جرائمهم مما لا يستقيم معه إيمان
وقد رأينا في الآية السابقة أنهم كفروا بالقرآن – وهو الحق مصدقا لما معهم – وقتلوا أنبياء الله من قبل فكيف يصدقون في قولهم (نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا) يعنون التوراة (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
وفي هاتين الآيتين نرى طائفة أخرى من جرائمهم فقد حفظ لهم التاريخ أنهم عبدوا العجل في غيبة موسى وأنهم عصوه وخالفوا عن أمر الله ونقضوا الميثاق الذي أخذه الله عليهم في التوراة (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) ثم يختم الرد عليهم بقوله (قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
عبادة بني إسرائيل العجل
[وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ (البينات الايات البينات والمقصود بها المعجزات التي أظهرها الله على يد موسى عليه السلام وأيده بها في دعواه الرسالة وهي الآيات التسع المذكورة إجمالا وتفصيلا في سور النمل والإسراء والأعراف ومنها العصا واليد والمن والسلوى والحجر .. الخ وليس منها التوراة إذ أنها جاءتهم بعد أن عبدوا العجل وموسى غائب عنهم لتلقيها من ربه وقد غلط من عد التوراة منها ومن ذلك ما جاء في كتاب المختصر في تفسير القرآن لابن صمارح التحبيبي عنى بتنقيحه وتحريره الدكتور عدنان زرزور مؤسسة الرسالة طبع على نفقة سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إذ فسر البينات في قوله تعالى (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ) بالتوراة وهو وَهَمٌ لا يتفق مع الترتيب التاريخي للأحداث) ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ (اتخذتم العجل صنعتم الذهب على شكل العجل أوجعلتموه إلها) مِنْ بَعْدِهِ (من بعده من بعد موسى أي في غيبته) وأما ما وقع في ص 143 الحزب الثاني من التفسير الوسيط للقرآن الكريم بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الطبعة الأولى 1393 هـ – 1973 م مما يوهم غير ذلك فلعله سهو غير مقصود إذ جاء ما نصه [(ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ) أي ثم اتخذتم العجل من بعد مجيء موسى بالبينات على رسالته وصحة ما دعاكم إليه من توحيد الله بالعبادة فهو يخالف ما جاء في ص 100 الحزب الأول من الكتاب نفسه وما يكاد يجمع عليه المفسرون والمترجمون] وأنتم ظالمون (وأنتم ظالمون التعبير عن شركهم وظلمهم بالجملة الإسمية التي تفيد الثبات والدوام والاستمرار – يفيد أنهم قوم عادتهم الظلم)]
لقد جاءكم – يا بني إسرائيل – نبيكم موسى بالآيات البينات والدلائل القاطعات على صدقه في دعوته كالعصا والزبد وفلق البحر [ارجع إلى تفسير الآية 50 السابقة من السورة (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ)] وتظليل الغمام [ارجع إلى تفسير الآية 57 السابقة من السورة (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ)]
ولكنهم بعد أن نجاهم الله تعالى وأغرق عدوهم أمام أعينهم طلبوا من نبيهم موسى أن يأتيهم من عند الله بكتاب ليعلموا أحكامه فوعده – سبحانه – أن يعطيه التوراة بعد أربعين ليلة ينقطع فيها للعبادة يصوم نهارا ويقضي ليلها في العبادة
وفي غيبة موسى لتلقي التوراة اتخذ بنو إسرائيل العجل اتخذوا تمثالا على صورة العجل
– ولد البقرة الصغير – صنعه لهم السامري من الحلي ووضعه في مستقبل الريح فإذا دخلته أحدثت صوتا كخوار العجل فعبدوه لهذا واتخذوه إلها من دون الله
وقصة اتخاذ بني إسرائيل للعجل وعبادته في غيبة موسى عليه السلام – عندما ذهب إلى ميعاد ربه على الجبل – مفصلة في سورتي طه والأعراف المكيتين اللتين نزلتا قبل سورة البقرة المدنية وهنا فقط يذكرهم بانحدارهم إلى عبادة العجل بمجرد غيبة نبيهم الذي أنقذهم باسم الله من آل فرعون يسومنهم سوء العذاب ويصف حقيقة موقفهم في هذه العبادة (وأنتم ظالمون) ظالمون بوضع الشي


