الوصايا العشر حول النصر
مجدي قاسم
ليعلم كل مؤمن أن الباطل قد ينتصر في جولة من الجولات ، وذلك إما لتقصير أو خطأ من جانب أهل الإيمان – كما حدث في غزوة أحد – وإما ابتلاء وامتحانا من الله للعصبة المؤمنة ، ولكن بالرغم من انتصار أهل الباطل في جولة إلا أن على أهل الإيمان أن يكونوا على يقين من عدة أمور :
الأمر الأول
أنه شتان بين من يسقط من أهل الإيمان ومن يسقط من أهل الكفر نتيجة الصراع بينهما قتلى ، فقتلى أهل الإيمان شهداء إلى جنة الخلد التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وذلك هو الفوز العظيم ، وأما قتلى أهل الكفر فإنهم هلكى إلى جهنم وبئس المصير ! ولن نصل إلى هذه النتيجة إلا من خلال هذا الصراع المحتوم بين الحق والباطل .
فأهل الإيمان إما يصيرون إلى نصر الله في الدنيا وإما إلى جنة الخلد شهداء ، وأما أهل الكفر فيصيرون إلى عذاب الله ، قال تعالى : ( قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ) [سورة التوبة :52]
الأمر الثاني
أن كل شيء بقدر ، وأنه لن يحدث في الكون إلا ما قدره الله وأذن به ، فنحن نسير إلى قدر الله ، ولن يصيبنا إلى ما قدّره الله علينا ، قال تعالى : ( وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ) [سورة آل عمران :166] وقال تعالى : ( قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) [سورة التوبة :51] .
فالمؤمن – حينئذ – لن يخاف ولن يرجو إلا الله ، ولن يتوكل إلا عليه .
الأمر الثالث
أن أهل الضلال كلهم أولياء بعض ، ولا ولاية بينهم وبين أهل الإيمان ، وأنهم يبذلون غاية الوسع للقضاء على الإسلام وأهله .. ولكن هيهات ! .
فعلى المؤمن أن يكون على يقين من أن ما يبذلونه سيكون عليهم – بعد ذلك – حسرة ثم يُغلبون ، كما قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) [سورة الأنفال : 36]
الأمر الرابع
أن نصر الله آت لا ريب فيه ، فالله تبارك وتعالى بيّن في كتابه أن المستقبل لهذا الدين ، قال تعالى : ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) [سورة الصف : 9] ، وقال تعالى : ( كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ) [سورة المجادلة : 21] ، وقال تعالى : (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ(171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ(172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) [سورة الصافات : 171 : 173] ، وقال تعالى : ( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) [سورة غافر :51] ، وقال تعالى : ( وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) [سورة الروم :47] ، إلى غير ذلك من الآيات التي تبين أن العاقبة للإسلام وأهله ، والأحاديث في ذلك أيضًا كثيرة منها قوله صلي الله عليه وسلم : (إن الله زَوَى لي الأرض ، فرأيتُ مشارقها ومغاربها ، وإن أمتى سيبلغ مُلْكُها ما زُوي لي منها ) [رواه مسلم ح2889 ، وأبو داود ح4252 ، والترمذي ح2203 ، وابن ماجه ح3952] ، وقال صلي الله عليه وسلم أيضًا : (ليَبْلُغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ، ولا يترك الله بيت مَدَرٍ ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين ، بعزِّ عزيز أو بذل ذليل ، عِزًّا يعزُّ الله به الإسلام ، وذلًّا يذل الله به الكفر ) [رواه أحمد 4/3، وصححه الألباني في الصحيحة] ، فلنكن من هذا على يقين .
الأمر الخامس
أن نصر الله لا يتنزل إلا على من يستحقه من أهل الإيمان ، قال تعالى : ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا )[سورة النور :55] ، وقال تعالى : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) [سورة محمد :7] ، وقال تعالى : ( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ) [سورة الحج :40] ، فلابد من توافر أسباب النصر في الأمة من قوة إيمان ويقين وعمل بطاعة الله عزّ وجلّ حتى نكون أهلًا لنصره .


