باب الطب
دكتور / جمال عبد المنعم المولد
دراسات عليا للدكتوراه في الميكروبيولوجيا والمناعة
انتهينا في العددين السابقين من الحديث عن إبداع الله في خلق الخلية .. وحدة بناء أعضاء الجسم وسنواصل الحديث في هذا العدد عن إعجاز الله وقدرته على حماية كل مخلوق والمتمثل فيما يسمى بالجهاز المناعي …
وسنحاول دون إسهاب أو إطناب التجوال في أرجاء الجهاز المناعي لنتعرف سويًا على بعض من صفاته وسنحاول كشف الستار عن بعض خباياه وفك الأقنعة عن وجه بعض خلاياه بصورة مبسطة نفهمها سويًا .
جهاز المناعة يعتبر بمثابة القوات المسلحة بالنسبة للجسم وهبة الله كغيره من الأجهزة للذود عن الجسم … هذا الجهاز يتصل بكافة وسائل الاتصالات السلكية واللاسلكية بالجسم … ويخوض كل يوم الآلاف من المعارك الحربية الضارية دون أن نشعر أو قد نشعر في حالة هزيمته … بما يسمى بالمرض .. يخوض هذا الجهاز بما منحه ربنا من وسائل وأدوات الحروب بخطط محكمة من خلال غرف عمليات واعية تشرف على سير الحروب وتنسق بين قواته حتى لا تكون الفوضى والتخبط كما يحدث في عالم البشر … لأنه لو كانت الفوضى والتخبط والديكتاتورية .. فسوف ينتهي الأمر بتحطيم الجيش نفسه حتى يباد عن أخره أو يكاد فكل شيء يسير بحسابات دقيقة حتى لا يختلط الحابل بالنابل ويسير حسب خطط موضوعة ومدروسة لمواجهة كافة الاحتمالات المتوقعة وغير المتوقعة ..
التشكيلات العسكرية لقوات الجهاز المناعي ؟
كما هو الحال في القوات المسلحة لكل دولة يتكون الجيش من جماعة وهذه الجماعات مجتمعة تكون سرية والسرايا تكون كتيبة ومجموعة الكتائب تشكل لواء ومن هذه اللواءات تتكون الفرقة والفرق مجتمعة تكون الجيش .. كذلك نجد أن جهاز المناعة منسق في نسقٍ بديع ونظام رائع محكم لا يعرف العشوائية أو التخبط لأنه صنع بيد بديع حكيم .. نجد أنه عبارة عن مجموعة من خلايا كرات الدم البيضاء Leucocytes التي يترواح عددها ما بين 4 آلاف إلى 11ألف خلية في السنتيمتر المكعب الواحد من الدم .. هذه الخلايا تتشكل في مجموعات … كل مجموعة لها دورها الذي لا تحيد عنه ولا تميد .. وتسير كما أُمرت من قبل بارئها جل وعلا .. وتشكل كل مجموعة سلاحًا خاصًا من أسلحة الجيش ووسائل عديدة للدفاع فمنها ما يقوم بدور المدفعية ومنها ما يقوم بدور القوات الجوية … وكذلك تقوم مجموعات منها بدور الجاسوسية … وتسير في الدم لترصد أي جسم غريب لتكون له بالمرصاد .. وقد تبلغ رحلتها التي تقطعها في الدم طوال فترة حياتها ما بين مائة كيلو متر إلى مليون كيلو متر … ؟! سبحان الله العلي القدير .. ويسمى كل نوع من هذه الخلايا على حسب قابلية السيتوبلازم الموجود في الخلية للاصطباغ بصبغة معينة … أو على حسب شكل النواة في تلك الخلية .. أو على حسب الموقع التي تسكنه في الجسم .. أو على حسب الدور التي تؤديه كما هو الحال في تشكيلات قواتنا المسلحة .. وعلى هذا الأساس نجد أن هذه الخلايا تتشكل في خمسة تشكيلات لكل تشكيل أفرع أخرى تخرج منه وهذه التشكيلات والخلايا هي النيتروفيل Neutro phil والإيزينوفيل Eosino phil والبيزوفيل Buso phil المونوسبت Mono cyte والليفوسيت Lympho Cyte تتوزع هذه الخلايا توزيعًا استراتيجيًا يضمن للجسم الأمن والسلام … فبعضها يقوم بالدفاع عن منطقة معينة بالجسم … ويشكل قوات خاصة تقوم بالذود عن تلك المنطقة قوات الأمن المركزي الخاص بكل قرية ومدينة مع الفارق فالأولى تحافظ على خلو وطن الجسم من كل ميكروب غريب لكن الثانية تقوم بردع الخارجين عن القوانين الوضعية والذين يهددون أمن تلك المنطقة من نفس أفراد الدولة … وهناك قوات عامة تشترك سويًا لتضرب ولتدق عنق كل من يحاول أن يعبث بالأمن العام وتضرب في نحور المعتدين … الذين يتطاولون على جسم الكائن الحي .
أماكن توزيع القيادات في الجهاز المناعي
لا يحتل الجهاز المناعي بالجسم مكانًا واحدًا بل تتوزع قياداته توزيعًا حكيمًا لتشغل كل أماكن الجسم دون أن تقتصر على عضو معين … مع العلم بأن لكل نسيج ولكل عضو من أعضاء الجسم جيش خاص به يدافع عنه إذا ما باغته ميكروب … وهناك بعض الأعضاء بالجسم تحظى بأهمية خاصة في التصدي للأجسام الغريبة نذكر منها الغدد اللمفاوية (وهي المراكز الاستراتيجية الهامة في مراكز الدفاع والتي تعرف عند العامة بالحيل حينما تلتهب ) والنخاع العظمي واللوزتين والطحال والغدة التيموسية .
خصائص الجهاز المناعي
يتميز الجهاز المناعي عن غيره من أجهزة الجسم المختلفة ببعض الخصائص أهمها التعرف على الأجسام الغريبة Recoginalion سواء كانت هذه الأجسام ميكروبات أو مواد كيماوية . أو غير وكذلك يتميز بما يعرف بالتمييز Differentiation حتى يميز بين أنسجة الجسم وبين تلك المواد الغريبة حتى لا يدمر الجسم الذي يحويه … وينقلب الجسم إلى أرض للحرب الأهلية … كذلك من أهم مميزات هذا الجهاز والتي تحفظ له ا


