الكوثري والدحلان
لفضيلة الشيخ عبد القادر السندي
الأستاذ بمعهد الحرم – مكة المكرمة
وتاج المفسرين والمؤرخين أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310 في عقيدته : القرآن كلام الله ، وتنزيله ، إذ كان من معاني توحيده ، فالصواب من القول في ذلك عندنا أنه كلام الله غير مخلوق كيف كتب ، وحيث تلى ، وفي أي موضع قرئ في السماء ووجد في الأرض ، وحفظ في اللوح المحفوظ أو في القلب حفظ وباللسان لفظ ، فمن قال غير ذلك أو ادعى أن قرآنًا في السماء أو في السماء سوى القرآن الذي نتلوه بألسنتنا ، ونكتبه في مصاحفنا أو اعتقد ذلك بقلبه أو أضمر في نفسه ، أو قاله بلسانه دائنًا فهو بالله كافر ، حلال الدم والمال برىء من الله ، والله منه بريء ، يقول تعالى : { بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ } ، وقال تعالى : { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } ، فأخبر أنه في اللوح محفوظ مكتوب ، وأنه من لسان محمد مسموع ، وكذلك هو في الصدور محفوظ ، وبألسن الشيوخ والشباب متلو ، قال أبو جعفر : فمن روى علينا ، أو حكى عنا ، أو تقول علينا فادعى أنا قلنا غير ذلك فعليه لعنة الله ، وغضبه ، ولعنة اللاعنين ، والملائكة والناس أجمعين لا قبل الله منه صرفًا ، ولا عدلاً ، وهتك ستره ، وفضحه على رءوس الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار . [عقيدة ابن جرير الطبري ص 8، 9] .
وقال الشيخ الإمام أبو الحسن محمد عبد الملك الكرخي الشافعي في كتابه الذي سماه الأصول : سمعت الإمام أبا منصور محمد بن أحمد يقول سمعت أبا بكر عبد الله يقول : سمعت الشيخ أبا حامد الاسفرائيني يقول : مذهبي ، ومذهب الشافعي ، وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر ، والقرآن حمله جبريل عليه السلام مسموعًا من الله ، والنبي صلى الله عليه وسلم وسمعه من جبريل ، والصحابة سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي نتلوه بألسنتنا ، وفيما بين الدفتين ، وما في صدورنا مسموعًا ، ومكتوبًا ، ومحفوظًا ، ومقروءًا ، وكل حرف منه كالباء ، والتاء ، كله كلام الله عز وجل ، غير مخلوق ، ومن قال إنه مخلوق فهو كافر عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين . انتهى بخط شيخنا سلمه الله تعالى على طاعته . [ عيدة ابن جرير الطبري ص 15 ] .
وقال الإمام الحافظ العلامة عبد الغني المقدسي الحنبلي المتوفى سنة 600 هجرية في عقيدته : قال عبد الله بن أبي مليكة ، كان عكرمة بن أبي جهل رضي الله تعالى عنه يأخذ المصحف فيضعه على وجهه فيقول : كتاب ربي ، وكلام ربي عز وجل ، وأجمع أئمة السلف والمقتدى بهم من الخلف على أنه غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر ، وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في القرآن ليس بخالق ، ولا مخلوق لكنه كلام الله منه بدأ وإليه يعود ، ثم نقل عن جملة كبيرة من الصحابة هذا المعنى . [ عقيدة ابن جرير الطبري ص 41] .
وقال الحافظ الإمام أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني في كتابه حلية الأولياء : حدثنا سليمان بن أحمد ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا محمد بن إسحاق الصاغاني ، ثنا عبد الله بن يوسف الحيري ، ثنا فطر بن حماد بن واقد ، قال : سألت حماد بن زيد فقلت : يا أبا إسماعيل إمام لنا يقول : القرآن مخلوق ، أصلي خلفه ؟ قال : لا ، ولا كرامة . [حلية الأولياء 258/6 ] .
وقال أيضًا : حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب الخوارزمي ، ثنا أحمد بن الأحجم ، ثنا عمار بن عبد الجبار ، قال سمعت عبد الله بن المبارك يقول : سمعت سفيان الثوري يقول : الجهمية كفار ، والقدرية كفار ، فقلت لعبد الله بن المبارك : فما رأيك ؟ قال : رأيي رأي سفيان . [ المصدر السابق 28/7] .
وقال أيضًا : حدثنا سليمان ، ثنا محمد بن عبد الرحيم الديباجي ، ثنا هارون بن هارون العبدي ، ثنا حبان بن موسى المروزي ، ثنا عبد الله بن المبارك ، قال : سمعت الثوري يقول : من زعم أن قل هو الله أحد مخلوق فقد كفر بالله عز وجل . [ المصدر السابق ] .
قُلْتُ : فهذه بعض النقول من أئمة السلف رحهم الله تعالى تنص على كفر القائل بخلق القرآن وأنا لا أزيد على هذه إلا أن أقول أنا أيضًا – وإن كنت لست ممن يعتمد على كلامه – إن القائل والمعتقد بهذا القول الشنيع – أعني القول بخلق القرآن الكريم كافر وملحد ، وزنديق مردود حلال الدم والمال ، يفرق بينه وبين زوجته المسلمة – اللهم اشهد فاشهد .
وأما تطاول الكوثري على شيخ الإسلام ابن تيمية وعدم الثقة بتأليفه ، وتصانيفه وطعنه فيه بأنواع الطعون منها أنه يتسامح مع اليهود والنصارى ، وأن الإسلام لم يبل في أي دور إلا في دوره إلى آخر ما جاء في تلك الطعون فأقول : ليست هذه أول طعون خبيثة ، وسهام مسمومة توجه إلى حامل لواء السنة النبوية وابنها البار ، المدافع عنها بل سبق الكوثري رجل آخر ، وقد قال عنه الإمام الحافظ العلاّمة أبو المعالي محمود شكري


