الخميس 26 رجب 1447 15-1-2026

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الخميس 26 رجب 1447 15-1-2026

الصوم والحرية

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

الصوم والحرية .
بقلم : علي عيد

الحرية في اللغة تعنى الخلوص من العبودية فهو حر أي غير مملوك ولا مسترق وأيضا تعني الانعتاق من القيد أو من الأسر وأصبح حرا أي تم عتقه كما تعني أشياء أخرى كثيرة
ولقد جاء الإسلام فحرر الإنسان من كل قيد وأنقذه من كل مسيطر من طغاة الأرض فقرر حرية كل مولود وعبر عن ذلك عمر ابن الخطاب رضي الله عنه بقوله لعمرو بن العاص :(متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار) قال ذلك قبل ميثاق الأمم بمئات السنين ثم جاء نص ميثاق الأمم المتحدة يقول : (الناس يولدون أحرارا متساوين) .
وقرر الإسلام مساواة الناس جميعا في الحقوق والواجبات فقال : (يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[13 الحجرات] . . وقرر ذلك نبي الإسلام فقال : (كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى) ويذلك حرر الإسلام الناس من كل سلطان على الأرض يقيد سعي البشرية لتحقيق غايتها العليا وهي الخلوص إلى الله سبحانه ـ فحررهم من سلطان أولئك الطغاة الذين يستذلون الناس بالتخويف والقهر ويستعبدون البشر لأنفسهم ـ حين جعل الإسلام كل سلطان لله وحده ـ فهو مالك الملك وهو القاهر فوق عباده وكل الناس آتيه يوم القيامة فردا وكلهم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا وإذا كان الأمر كذلك فلتحطم القيود جميعا ولتدك جميع العروش الطاغية ويحرر الناس وتملأ العزة نفوسهم فإنها من الله وحده (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا)[10 فاطر] .
ولو أن الأمر اقتصر على القيود المادية التي تسلب الإنسان حريته لهان الخطب وإنما الإنسان يجد قيودا كثيرة وأغلالا سودا تنال من حريته لا ينسلخ عنها إلا حين يستكمل حقيقة عبوديته لله وحده سبحانه وتعالى ومن هذه القيود قيد الطعام وقيد الفرج وقيد الهوى وقيد الأهل وغير ذلك من القيود وجميعها تناولها الإسلام بالتربية والتهذيب في فطرة الإنسان حتى استنقذه من أسرها حين علمه كيف لا يجعلها أكبر همه ولا مبلغ علمه .
فقيد الشهوات مثلا الذي يقول فيه الله تعالى : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)[14 آل عمران] هذا القيد ولا ريب يستذل الناس ويحط من كرامتهم ويصرفهم عن ربهم ويجلب عليهم نسيان الله سبحانه وتعالى ويدعهم كالحيونات يهيمون على وجوههم بين مطالب الجسد الحيواني ومطالب النفس الأمارة بالسوء . . والترفع عن تلك الشهوة والتنزه عنها يأتي برياضة النفس وتربية الإرادة على الفرار منها إلى العبودية لله تعالى وترك هذه المعبودات (قُلْ إِنْ كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)[24 التوبة] فوضع الله سبحانه وتعالى الشهوات كلها في كفة ووضع حب الله سبحانه في كفة أخرى .
وأظهر ما تتبدى هذه الصورة عند المسلم الحر عندما يصوم . . فقد شرع الله له الصوم ليستعلي بإيمانه على ضروراته وقيوده الآسرة فلا يشغله طعام ولا تأسره شهوة بل لا يشغله حظ نفسه فيرد عنها شتمه ولعنه أو خصامه وليس الصيام مجرد ترك الأكل والشرب والجماع بل لابد من نزع الميل إليهم من النفس أصلا فرب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش إذا ليس ذلك مراد الصوم وإنما حكمته التشريعية العالية هي تربية إرادة الإنسان على تحرير نفسه من القيود الضرورية التي تغله وتأسره ويبدو عند كل إنسان ضعيفا متخاذلا بينما المؤمن مستعليا بإيمانه وعبادته لله وحده عليها محتقرا لها متخليا عنها وهذه الحرية ذاتها هي عبودية لله وحده وكأنها لا تتحقق بتمامها وكمالها إلا حين تتحقق الحرية من كل قيد وحين يوجد الخلاص من كل أسر وقد قال أحد العلماء في الحرية تمام العبودية وفي تمام الحرية تحقيق العبودية ونحن نرى كيف أن الناس تأسرهم العادة والشهوة لا يستطيعون الخلوص من عبادتها كمن يتعاطى المخدرات والمسكرات فتسلبه عقله وكرامته أيكون ذلك حرا ؟.
ونرى من لا هم له إلا صحبة الغيد الحسان من بنات الهوى الفاتن ويسلك في سبيل ذلك ما يهوى من خلاعة ومجون وإسراف في الأناقة والزينة الفاضحة أيكون ذلك حرا ؟ .
ومن يتعصب للبلد والعشيرة فينصر الباطل ويرفض الحق لا لشيء غير أنه على

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا