الأثنين 21 شعبان 1447 9-2-2026

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الأثنين 21 شعبان 1447 9-2-2026

الصوم عبادة .. ورياضة نفسية

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

الصوم عباده ورياضة نفسية
بقلم/ أحمد لطفي السيد

شهر رمضان شهر عظيم القدر، رفيع المنزلة، فضله الحق تبارك وتعالى على سائر الشهور. وصدق الله العظيم ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) 185 البقرة فهو شهر الذكرى القدسية.. ذكرى نزول القرآن من السماء إلى الأرض وذكرى فيض العرفان بالرسالة المحمدية، والشريعة الإسلامية التي إن اتبعها المسلمون كانوا خير أمة أخرجت للناس.
والصوم عبادة روحية تسمو بالنفس الإنسانية من الأرض إلى السماء. يدعو إلى البر بالفقراء عباد الله في الوجود الإنساني. الذين اختبرهم العلي القدير بالفقر ليصبروا من غير هوان. وابتلى الأغنياء ليعطوا من غير استعلاء.
ورمضان المعظم قد فرضت فيه فريضة تشفي المجتمعات من أسقامها. وتوجهها إلى أقوم سبيل وأهدى طريق توجيهاً عملياً. تلك هي فريضة الصوم. وصدق الله العظيم ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون ).183 البقرة
والصوم فريضة مقدسة تتلاقي فيها كل خواص العبادات في الإسلام، وتلتقي فيها كل التهذيبات الروحية والاجتماعية. ذلك لأن الله عز وجل شرف الصيام فأضافه إلى ذاته العلية. فقال في الحديث القدسي (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به). وبلغ من رتبته وعظيم منزلته أن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أقسم بالذي نفسه بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
فالصيام ناحية العبادة فيه ظاهرة. وكمال الخضوع به لله بين.فالصائم يكف نفسه عن الشهوات التي تدعوه إليها غريزته وطبيعته. ويتحمل مشقة الجوع والعطش. لا رقابة لأحد من الناس عليه. والرقيب هو الله وحده. ولا باعث له على هذا إلا امتثال أمر الله، وأداء ما فرض الله، واستشعاره عبوديته لله، ووجوب طاعته، واعتقاده الجازم بكمال قدرته وقوة سلطانه. قال تعالى ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين )5 البينة وقال تعالى ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ).56 الذاريات
أما ناحية الرياضة النفسية في الصيام . فتتجلى في أن الصائم يروض نفسه على احتمال المشقات، والصبر على المكاره. والحياة كلها مشقات ومكاره، ومن لم يعد نفسه لاحتمالها واعتاد الترف وأخلد إلى الرفاهية، يضيق ذرعاً بالحياة كلما صادف فيها مكروهاً أو مشقة. فالإسلام يقصد إلى أن يكون الإنسان المسلم جندياً لا ييأس إن أصابه جوع أو عطش. ولا يضجر إذا احتمل مكروهاً أو شدة. ولهذا كلفه أن يصوم رمضان من كل سنة ليعتاد حياة الجوع والعطش. وإلى هذا أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم (الصوم نصف الصبر. والصبر نصف الإيمان) وقد قال تعالى: ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) 10 الزمر فيفرغ للصائم جزاؤه إفراغاً لا يدخل تحت وهم ولا تقدير. وهذا هو عطاء الإله إذا أضيف إلى جانبه الكريم، لأنه تعالى نسب الصوم له، وجعل جزاءه من عنده خارجاً عن جزاء الحسنات.
كذلك الصائم يروض نفسه على مقاومة الشهوات. ومن هذا نفهم حكمة ما جاء في السنة من أن الصوم جنة. أي وقاية للنفس من استرسالها في شهواتها وآثامها. وما جاء في السنة من قوله صلى الله عليه وسلم : (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه). فالصيام رياضة نفسية تذكر الإنسان بإنسانيته وحلمه وعفوه وصفحه وصبره. وتسموبه إلى مستوى لا إثم فيه ولا ظلم ولا عدوان. وإلى هذا أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم : (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب. فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم) أي فليذكر أنه صائم. أي في رياضة نفسية تهذب نفسه من مقابلة السب بالسب والسيئة بالسيئة.. وهنا تتجلى فائدة الفوائد من الصيام. إذ يجعل الصوم من صاحبه فرداً كاملاً مهذباً متى استمسك بالصوم كما يريده الله. وهذه غاية الغايات. هذا هو الصوم في لبه ومعناه.. جعله الحق تبارك وتعالى مرقاة نورانية. ومشكاة لمن أراد أن يستنير عالم الكمال. والعاقبة للمتقين.
أحمد لطفي السيد
المستشار القانوني لمركز السنبلاوين

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا