الجمعة 17 رمضان 1447 6-3-2026

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الجمعة 17 رمضان 1447 6-3-2026

الصدق كله فضائل

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

الصدق كله فضائل
بقلم: أحمد طه نصر

ليس الإسلام عقيدة وعبادة فقط، ولكنه حياة كاملة للذين آمنوا به في كل شأن من شئونهم. ولذلك جاءت تعاليمه بقسمين هامين، أحدهما العقائد والعبادات. فينظم بذلك علاقة الإنسان بالله تعالى، ومقتضى إيمانه، به من عمل صالح ارتضاه إسلاماً وديناً لعباده ((صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً)) [البقرة:138]. وثانيهما المكارم الأخلاقية التي نظم بها علاقة الإنسان بأخيه الإنسان،وأقام عليها بناء المجتمع الإسلامي. ولم يترك الإسلام في هذه الناحية مكرمة من مكارم الأخلاق إلا دعى إليها وحض عليها، ولم يترك نقيصة من نقائص السلوك إلا شدد عليها النكير. وسأذكر في هذه الكلمة نزراً يسيراً من دعوة الإسلام الحنيف إلى الصدق والمحافظة على العهد. وقد جاءت الدعوة الإسلامية بهذه الفضيلة في صورة تدعو إلى الإعجاب، إذ تحدث عنها القرآن الكريم والحديث الشريف بما جعلها في أسمى منزلة في الصرح الأخلاقي. والسر في ذلك أن الصدق ملتقى جميع الفضائل. ففيه شجاعة، لأن الكذب نوع من الجبن والخوف من مواجهة الحق. أما الشجاع فإنه يتسلح بالصدق بدلاً من التستر وراء الخداع. وفيه أمانة لأن إعلان الصدق والوفاء بالعهد تأدية لأمانة في عنق من يعرف الحق وينطق به، ولأن الخيانة والغدر كذب عملي وإنكار فعلي لحق صريح وفيه عدل وإنصاف لأن الصدق إحقاق للحقيقة في ذاتها، ودفع للظلم عمن تضيع حقوقه نتيجة لتغيير الحقائق ومسخها.
وقد نظر الإسلام نظرته العميقة في المجتمع الإنساني ودعاه إلى هذه الصفة الكريمة التي لا تستقيم حياة الأفراد أو الشعوب إلا بها. ولذلك قرن الأمر بالصدق بالتقوى في قوله تعالى: ((يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)) [التوبة: 119] وجعله كذلك مثلاً أعلى. فكما قرنه بتقواه وعبادته كذلك جعله من صفات الأنبياء تحبيباً فيه وحضاً عليه كقوله تعالى في تخليد وتمجيد ذكرهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ((إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا)) [مريم:41] وكذلك في خاصة الأتقياء يصفهم سبحانه ((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ)) [الأحزاب:23] وبذلك يبصرنا الله بان الصدق أس من أسس الدين الرئيسية لا يتحقق إلا به، وقد أوضح لنا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ((أربع إذا كن فيك فلا يضرك ما فاتك: صدق حديث، وحفظ أمانة، وحسن خلق، وعفة في طعمة)) وكرر ذلك بصورة أخرى لخطورة المخالفة فقال ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خلة منهن كان فيه خلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) متفق عليه. وحسبنا دليلاً على أن الكذب رأس الذنوب ما رُوي عن الأعرابي الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال يارسول الله إني أوخذ من الذنوب بما ظهر . وذكر أنه مبتلى بخلال أربع: الزنى، والسرقة، وشرب الخمر، والكذب. فأيهن أحببت تركت لك. فقال صلى الله عليه وسلم «دع الكذب» فلما ولى الأعرابي من عند النبي صلى الله عليه وسلم هم بالزنى فقال: يسألني فإن أنكرت نقضت ما وعدته، وإن أقررت أقيم علي الحد فلم يزن. ثم هم بالسرقة ففكر في مثل ذلك، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: قد تركتهن جميعاً. ومن هذا يتبين لنا أن الصدق أس الفضائل، وأن الكذب رأس الذنوب ، إذا انتشر في مجتمع تقوضت أركانه. ولنتدبر الحديث الآتي لنتبين فظاعة الكذب وبعده عن الإسلام. قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أيكون المؤمن جباناً قال: نعم. أفيكون بخيلاً قال نعم. أفيكون كذاباً قال: «لا» وليس معنى هذا الحديث أن الإسلام يقر الجبن أو البخل، فالآيات الكريمة والأحاديث مستفيضة في امتداح الشجعان الذين يستشهدون في سبيل الحق. وفي امتداح الكرماء الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. وإنما المقصودمن هذا الحديث بيان فظاعة الكذب بالنسبة إلى غيره من الرذائل، وأنه يزعزع أساس الإيمان. وإذا أردنا أن نفهم السر في ذلك فهو أن الكذاب يعلن بكذبه أنه جبان أمام الناس جرئ على الله. فالكذاب يخشى الناس ولا يخشى الله تعالى، ويتوارى منهم ولا يتوارى منه وهو المطلع عليه ((يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا)) [النساء:108] ومن أقوى الدلائل على الحاجة الماسة إلى الصدق في النظام الاجتماعي أن الكذبة الواحدة قد تزري بالرجل فلا يصدق بعدها وتسقطه في الميزان الاجتماعي فلا تقوم له بعدها قائمة. وتعليل ذلك أن الكذبة الأولى إذا أساغها صاحبها سهل عليه أن يردفها بثانية وثالثة حتى يصبح الكذب عنده عادة متأصلة. ولقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الكذب في أي صورة من صوره. يروي أبو داود عن أم عطية رضي الله عنها

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا