الخميس 26 رجب 1447 15-1-2026

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الخميس 26 رجب 1447 15-1-2026

السنة

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

السُّنـــة
الوحي … قرآن وسنة
للدكتور :
محمد الأحمدي أبو النور
لقد أوحى الله تعالى إلى نبيه ( كتابه العظيم ، كما أوحى إليه – معه – بيانه الحكيم ؛ إتمامًا للنعمة ، ومنعًا للقول في كتاب الله ودينه بغير ما جاء عن الله ورسوله .
ولقد امتن الله على الأمة بما أوحى إليها من القرآن والسنة .
والسنة : هي الحكمة المبينة للقرآن ، والمتكاملة معه في توضيح المنهج الأقوم لتنظيم شئون هذه الحياة في العقيدة وفي التشريع وفي الأخلاق وفي السلوك .
امتن الله بالقرآن والسنة ، ونظمهما – معًا في عقد واحد ، وجعل مناط هذا الامتنان هو كونهما أنزلا معًا على نبينا ( – دون أن يقتصر الإنزال والوحي على القرآن وحده .
هذا ما يشير إليه قوله تعالى : { وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ } [ البقرة : 231 ].
ولهذا اعتبرت السنة هي المفسر الثاني للكتاب العزيز ، بعد الكتاب العزيز نفسه ؛ قال ابن كثير : ” فإن قال قائل : فما أحسن طرق التفسير ؟ فالجواب : أن أصح الطرق في ذلك : أن يفسر القرآن بالقرآن ؛ فما أجمل في مكان فإنه قد بسط في موضع آخر ، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة ؟ فإنها شارحة للقرآن ، وموضحة له ، ولهذا قال ( : ” ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه ” .
يعني: السنة .
والسنة – أيضًا – تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن ، إلا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن . [ تفسير ابن كثير 1/3] .
وقد كان صلوات الله وسلامه عليه معلق القلب بالقرآن ، وكان لفرط حبه إياه يشفق حين يتلقاه من جبريل ( أن لا يتمكن من جمعه وحفظه مع ما يعاني حالتئذ من شدة التنزيل ، وعسر الحفظ ، فكان يعاجل بالقرآن عقب انتهاء جبريل من كل كلمة ، ومن كل آية ، فيحرك لسانه وشفتيه بالقراءة حتى يتمكن من حفظه ، فأنزل الله عز وجل : { لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } [ القيامة : 16- 19 ] .
أي : لا تردد كلماته وآياته ، قبل أن ينتهي جبريل من وحيه ، لتسارع بأخذه : { وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ } [ طه : 114 ] .
إن علينا جمعه وضمه في صدرك ، بتيسير حفظك له .
إن علينا – كذلك – قرآنه ؛ أي قراءته : أي تيسير قراءتك له بعد ذلك .
فإذا قرأه جبريل عليك بأمرنا وتكليفنا ، وانتهت قراءته ، فاتبع قراءته ، واقرأ أنت .
ثم إن علينا بيانه : أي بيانه وإظهاره بلسانك فتقرؤه كما أقرأك جبريل ، وعلينا كذلك بيانه ، أي : تبيين ما فيه من الأحكام وما يتعلق بها من الحلال والحرام ، والتفصيل والإجمال ، والتقييد والإطلاق ، وما إلى ذلك .
والبيان بهذا المعنى الثاني هو ما تكفلت به السنة .
قال ابن حجر : ” قوله : ( بيانه ) جنس مضاف ، فيعم جميع أصنافه من إظهاره وتبيين أحكامه وما يتعلق بها من تخصيص وتقييد ونسخ ، وغير ذلك ” . [ فتح الباري 8/55 ] .
والظاهر – كما ذكر ابن حجر : أن نزول هذه الآيات كان في صدر الإسلام ، وقد استنبط هذا من أمور :
الأول : أن سورة القيامة مكية بالاتفاق .
والثاني : إيراد البخاري لحديث معالجة الرسول لشدة الوحي في كتاب بدء الوحي .
الثالث : أن رواية ابن عباس للحديث توحي أنه لم يشهد حال النبي ( وقت التنزيل ، وإنما حكيت له عن الصادق المصدوق ( ، ينبئ عن ذلك قوله : وكان مما يحرك شفتيه .. فأنا أحركهما لك كما كان سول اللَّه ( يحركهما – وهذا في حديثه لسعيد بن جبير .
أما سعيد بن جبير ، فيقول : أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما ، وذلك لأن سعيدًا شهد تحريك ابن عباس لشفتيه .
ويؤكد هذا أن مولد ابن عباس رضي اللَّه عنهما لم يكن إلا قبل الهجرة : بثلاث سنوات .
على أية حال فإنه منذ بدأ الوحي يتنزل – تكفل الله لنبيه ( بجمعه في صدره وتيسير إقرائه له ؛ فلم يفلت منه شيئًا ولا نسي منه شيء ، كما قال تعالى : { سَنُقْرِؤُكَ فَلاَ تَنسَى } [ الأعلى : 6 ] .
كما تكفل الله تعالى ببيان كتابه على ما سبق أن بينا في معنى هذا البيان .
وإذًا فبيان القرآن وتفسيره ، وتفصيل ما أجمل فيه ، لم يكن إلى رسول الله ( استقلالاً ، وإنما كان وحيًا يوحيه الله إليه ، فيبلغه عن الله كما يريد الله عز وجل ، وكما كلفه سبحانه بتبليغه حيث يقول تعالى : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } [ المائدة : 67 ] .
أو كان اجتهادًا يلهمه الله الصواب فيه ، ثم يقره عليه .
فما أوحاه الله إلى رسوله ( لم يكن القرآن وحده ، وإنما كان القرآن وبيانه ، أو بمعنى أعم . كان القرآن والسنة .
محمد الأحمدي أبو النور

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا