السنة وحى … ولو كره المنكرون
بقلم : مصطفى عبد اللطيف درويش
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعاملين ، ولا عدوان إلا على الظالمين .
أما بعد : فإن الله تعالى لم يجعل من رسول الله صلى الله عليه وسلم مجرد مبلغ للقرآن ولكن الله تعالى أراد أن يجعل من رسوله الخاتم نموذجا كاملا متكاملا للعابد لله تعالى فتتحقق فى هذا النموذج القدوة والأسوة والمنوال فى أقواله وأفعاله وتحركاته ومعاملاته ، فيصبح ذلك كله حجة على الإنسان وصورة للكمال فى عبادة الله يحاول العابد أن يقترب منها قدر المستطاع حتى فيما يراه ويسكت عليه لأنه لا يسكت على باطل .
ومن العجيب أن يظهر صنف من المنتسبين إلى الإسلام يقولون حسبنا القرآن فيه كل شئ وهو كلام الله ووحيه فحسب . وقد أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا الصنف سيظهر لأنه لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله . ولكن هل الذين قالوا حسبنا القرآن يؤمنون بالقرآن ؟ نقول : لا – لأن القرآن فى أكثر من آية أمر باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بالأخذ عنه وأمر بتحكيمه فيما شجر بينهم وأقسم الله تعالى بذاته أنه لا إيمان إلا بتحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وانشراح الصدر لحكمه والتسليم والتنفيذ لهذا الحكم فقال جل شأنه : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) ( النساء:65) .
والسنة وحى والدليل معنا . فالوحى القرآنى قال (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ) ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يكون مجتهدا من عند نفسه وهو يبين كيفيتها وعدد ركعاتها وما يقال فيها وهو الذى قال له ربه (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَان) (الشورى :52) والكتاب هو القرآن والإيمان هو التنفيذ العلمى لعبادة الله كيف تكون ولا يمكن إطلاقا أن نقول إن رسولنا لم يكن يدرى التوحيد والصفات الإلهية . والوحى القرآنى قال (وَءَاتُوا الزَّكَاةَ) والسنة وحيا بينت مقدارها ونصابها . والوحى القرآنى قال (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) ( البقرة:196) والسنة وحيا بينت عدد مرات الطواف والسعى . والوحى القرآنى جعل من المحرمات فى النكاح (وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَة) ( النساء:23) والسنة وحيا بينت الرضاعة المحرمة . والوحى القرآنى جعل من المحرمات نكاحها (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) ( النساء:23) والوحى سنة جعل من المحرمات الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها فهذا شئ لا مجال فيه للاجتهاد .
وأقول للمنكرين للسنة : لا نجد فى كتاب الله ما يفعله المسلم عند السهو فى الصلاة ورسولنا صلى الله عليه وسلم هو الذى أنساه الله فى الصلاة ليسوق على يديه تشريع سجود السهو حتى أنه صلى الرباعية ركعتين وحتى بعد أن ذكره ذو اليدين لم يتأكد من نسيانه وقال للناس ” أكما يقول ذو اليدين ” ؟ وقدر الله تعالى ذلك السهو ليكون تشريعا للناس .
وأقول للمنكرين للسنة ألم يجتمع الناس ومع رسولهم صلى الله عليه وسلم ليتفقوا على طريقة لجمع الناس للصلاة واختلفوا ما بين النار والناقوس والبوق فجاء الوحى فحسم الأمر بتشريع الأذان .
لا شك أن الإيمان بالسنة رحمة من الله لأنه لو كان القرآن فحسب لفقد العابد المثال والنموذج المتكامل الذى يجب أن يقتدى به فى السلوك والمعاملات بل فى التنفيذ العملى لآيات الله فى قرآنه .
وأخيرا همسة فى أذن الغيورين على السنة : هؤلاء المنكرون لا يحكمون عقولهم كما تقولون ، لأن تحكيم العقل أمر به القرآن فى أكثر من موضع (أَفَلَا تَعْقِلُون) تحكيم العقل يقول إن الله على كل شئ قدير يحول العصا إلى حية تسعى واليد بيضاء من غير سوء والبحر طريقا يابسا وينطق النملة ويسمع سليمان كلام الهدهد . هكذا يقول العقل الذى يؤمن بقدرة الله على كل شئ . فهؤلاء لا يحكمون عقولهم إنما يحكمون أهواءهم (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف:28) .
ولا يفوتنا أن نذكر أن الدعامة الأولى فى الإسلام ” لا إله إلا الله محمد رسول الله ” وهى تعنى فى صراحة ووضوح أنه لا يعبد إلا الله بشرع الله الذى بلغه رسول الله ، فلا إله إلا الله نفى للشرك ، محمد رسول الله نفى للبدع لأنه من عظمة الله تعالى وكبريائه أنه لا يعبد إلا هو وبشرع نفسه فهو الذى يشرع للناس ولا يشرع له أحد (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه) (الشورى:21) .
وأرسل الله تعالى رسوله للناس ليقول لهم إنه لا يعبد إلا الله وهكذا يعبد . ومعنى هذا أن كل ما بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن وا


