الذين يسيئون إلى الذكرى
بقلم: محمد عبد اللَّه السمان
لا أقصد بالمسيئين إلى الذكرى الطيبة، أولئك الخليط من السذج والبسطاء المتدينين، الذي كلما دخلت ذكرى مولد الرسول- صلوات اللَّه عليه- يسيئون إليها من حيث لا يعلمون ومن حيث لا يدركون، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا..
وإنما أقصد بعض علماء الدين، والمنتسبين إلى العلم، أولئك الذين يعرفون طريق الحق لكنهم يزورون عنها، ولا ينكرون أن الاتباع أولى من الابتداع، ولكنهم يتجاهلون هذاالحق الذي لا جدال فيه..
فمن من علماء الدين أو حتى من المنتسبين إلى العلم يجهل أن حقيقة الحفاوة بذكرى مولد الرسول عليه السلام، تتركز في اتباع ما جاء به، وإحياء سنته، وأن هذه الذكرى الطيبة ليست مؤقتة بزمن، وليست محددة بشهر ربيع الأول، وإنما هي حدث مجرد من الزمان والمكان، نحييها ونحتفي بها في كل لحظة من لحظات حياتنا، وفي كل بقعة حللنا بها وعشنا فوق أرضها وتحت سمائها..؟
من من العلماء أو المنتسبين إلىالعلم يجهل أن فكرة ( المولد النبوي ) فكرة مبتدعة جاءتنا متأخرة، لم يعرفها من هم أحق برسول اللَّه من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وسائر السلف- رضوان اللَّه عليهم أجمعين..؟
إن مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي إن دلت على شيء فإنما تدل على مهانة تفكيرنا وسذاجة عقولنا، بالإضافة إلى أننا نقلد غيرنا تقليدًا أعمى بلا روية، وأيضًا بالإضافة إلى أننا نسيئ إلى هذه الذكرى الطيبة أبلغ إساءة كلما حل شهر ربيع الأول، فمظاهر احتفالنا: ثريات الكهربا نحولها إلى ثياب مزركشة تلبسها المساجد بمآذنها، ومعارض لألوان الحلوى وأصناف العرائس لأطفالنا، ثم مواكب بلهاء للطرق الصوفية ترفع البوارق والأعلام الدالة على نوعية الطريقة المشتركة في موكب الاحتفال.. !
لقد سمعت بأذني أن أحد خطباء المساجد الكبرى بالقاهرة يناشد المسلمين في شهر ربيع الماضي أن يحتفلوا بإحياء هذه الذكرى ولو بالحرف الواحد: إن على كل مسلم أن يضيئ ولو شمعة واحدة في بيته احتفالاً بذكرى ميلاد الرسول عليه السلام.. وقلت لنفسي سئمك اللَّه أيها الشيخ.. أيها العالم الذي تحمل العالمية من كلية أصول الدين أهذا كل ما تطلبه من المسلمين في الاحتفال بذكرى ميلاد محمد- صلوات اللَّه وسلامه عليه- شمعة واحدة يضيئها كل مسلم في بيته- حتى ولو فرضنا جدالاً جواز الاحتفال بالمولد؟؟
أما كان الأجدر بك أيها الشيخ أن تناشد المسلمين أن يحيوا سنة رسول اللَّه، وأن يدرسوا المعاني الحية في رسالته التي أخرجت البشرية من الظلمات إلى النور، ووقتها مسالك الشر وخلصتها من بوائق الجاهلية، بدلاً من أن تحدثهم عن خوارق ما أنزل اللَّه بها من سلطان هل عايشت الرسول وهو جنين في بطن أمه، وساعات ولادته، وأيام رضاعه، وسنوات طفولته، خوارق سجلها الذين دونوا سيرته بلا أدلة تذكر..
* * *
إن العواطف الكاذبة هي التي حدت بنا أن نبتدع ولا نتبع، كلنا نجهل خطاب اللَّه تعالى لرسوله عليه السلام: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} وبمفهوم المخالفة لا يعتبر محبًا لله من خرج على الاتباع ولجأ إلى الابتداع، كذلك فإن الغلو في شخصية الرسول عن غباء وجهل هو الذي جعل العوام يقيمون الزينات ويرفعون الرايات، ويقبلون على شراء الحلوى لأطفالهم في شهر ربيع الأول من كل عام، هذا الغلو حفظوه عن ظهر قلب، عن مشايخ الطرق وأدعياء العلم، ولم يحفظوا قول الرسول الصادق: ” لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم.. إنما أنا عبد اللَّه ورسوله”.
إن شخصية الرسول فوق مستوى الشبهات.. لكن هؤلاء الغلاة لا يقنعهم أن تظل شخصيته في الإطار الذي وضعه اللَّه فيه، وما أعفه وأجله من إطار.. فأصروا على أن يصنعوا له هالة من الأساطير التي تجعله في مصاف الآلهة، وقد رصد هؤلاء الغلاة في أدمغتهم أقوالاً لا تتحرى الدقة، وأحاديث وضعها الزنادقة، وأمشاجًا من هذيان المتصوفة، وبذلك قدموا مادة طيعة للمبشرين الحاقدين، والمستشرقين ذوي الأهواء، للسخرية من الإسلام وشخصية رسول اللَّه صلوات اللَّه وسلامه عليه…
إننا نعتز كل الاعتزاز بمحمد النبي الأمي، نعتز بالمعاني الحية والمبادئ العظيمة التي تضمنتها رسالته، ولكن يجب ألا يحملنا هذا الاعتزاز على الخروج عن حدود التقدير الذي أضفاه اللَّه عليه، أو المكانة العظيمة التي صاغها اللَّه له، لقد رعى الغنم في شبابه، وما من نبي إلا قد رعى الغنم كما قال- صلوات اللَّه عليه- وظل حياته غير جبار في الأرض ولا متكبر، لأنه وقف نفسه عند هذه الحقيقة: عبد اللَّه ورسوله..
والذي لا جدال فيه أن الرسول كان بشرًا بكل ما في هذه الكلمة من معنى، وبكل ما ينطبق عليها من سنن الكون والطبيعة، ولد كما يولد البشر، وعاش كما يعيش البشر، ومات كما يموت البشر، لم يشذ عن سنن الطبيعة، وما امتاز به عن سائر البشر هو أن كان ر


