الأثنين 21 شعبان 1447 9-2-2026

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الأثنين 21 شعبان 1447 9-2-2026

الذكر والفكر

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

الذكر والفكر
بقلم
الشيخ عبد العزيز النحراوي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الذاكرين، وأفضل الشاكرين: محمد النبي الأمين، وآله وصحبه والتابعين ( وبعد ):
الذكر لغة التذكر، وهو ضد النسيان، تقول: ذكرته بلساني وقلبي ذكرى مؤنثة، ومن كلام العرب: اجعلني على ذكر منك ( بضم الذال غالبًا )، وذكر أخاك تذكيرًا، ومنه قوله تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}، وحين يقول اللَّه لعباده: {اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} فإنما يعني التذكر وعدم النسيان.
وحين يأمرنا اللَّه بقوله: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} فمراده تذكروا عظمتى وجلالي لتشكروني على أنعمي وأفضالي.
وقد علمنا أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان أكمل الخلق لله ذكرًا: كلامه ذكر، وأمره ونهيه ذكر، ورهبته ورغبته وسكونه وصمته ذكر، فقد كان ذاكرًا له في كل حالاته وجميع أحيانه. ويحدثنا عن ذلك في معرض التعليم والتوجيه، فيقول صلى الله عليه وسلم في حديث الوصايا التسع ( وأن يكون نطقي ذكرا، وصمتي فكرا، ونظري عبرا ).
ويزعم بعض الغافلين المقلدين لأشياخهم أن ذكر اللَّه هو الجهر بلفظ الجلالة، أو رفع الصوت به مفردًا أو جماعة، ويزين لهم شيطان الهوى سوء أعمالهم، فتراهم مجتمعين في حلق أو صفوف، يرددون اسم اللَّه بألسنتهم، مجاهرين برفع أصواتهم على دوي التصفيق، ورائدهم أجهل الناس بآداب الذكر ومبادئ الخشية من ذى الجلال والإكرام.
ومن عجب أنهم يستدلون على خيالهم وجهلهم بقول اللَّه تبارك وتعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ} ويغفلون عن بقية النص وهو: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَإلاَّرْضِ} الآية. ويتجاهلون قوله سبحانه في معرض آخر: {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} أي تخشع وتهدأ، وتلتزم السكينة والوقار، فليس الذكر اللساني الغافل، والهذيان الشيطاني الماجن، إلا من تلبيس إبليس على هؤلاء {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}. وقانا اللَّه شر الغافلين والمقلدين على غير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
وأما الفكر لغة فهو تردد القلب بالنظر والتأمل لطلب المعاني. فيقال: لي في الأمر فكر أي نظر. والفكرة اسم من الافتكار مثل العبرة والاعتبار، وجمعه فكر بكسر الفاء وفتح الكاف. يقول اللَّه عز وجل من قائل: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي لمن يحركون أفكارهم ويستعملون عقولهم في النظر والتأمل لما خلق اللَّه في السموات والأرض من كواكب وأفلاك، وسحب وأمطار، وماء وهواء، وغيرها من البراهين الكونية الناطقة في صمت بعظمة خالقها ومبدعها على غير مثال سبق، وكأن لسان حالها يقول: أعلم أن اللَّه على كل شيء قدير، وأن اللَّه قد أحاط بكل شيء علما. فتبارك اللَّه أحسن الخالقين. ولله در القائل:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد
أخى المسلم: اذكر ربك في نفسك تضرعًا وخفية، وراقبه مراقبة من يوقن أنه يسمع ويرى، ثم فكر فيما حولك مما سخر اللَّه لك لتزداد إيمانًا، وترسخ يقينًا، وتجدد نشاطك في ذكر وفكر وعلم وعمل وخشية.
هدانا اللَّه وإياك إلى خير ذكره وجلال خشيته وحسن عبادته، وختم لنا بخاتمة الإيمان أجمعين، وصلى اللَّه وسلم وبارك على نبي الرحمة، وهادي الأمة، وكاشف الغمة، محمد وآله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

عبد العزيز عثمان النحراوي

فايل 5 مجلد الخامس : الأعداد 5 – 6

12

– 3 –

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا