الخيرة والطيرة
بقلم فتحي أمين عثمان
مدير الدعوة والإعلام
(الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )
نحمده ونستعينه ونستهديه ، ونستغفره ، ونتوب إليه ، ونؤمن به ، ونتوكل عليه ونثني عليه الخير كله ، ونشكره ، ولا نكفره ، ونرجو رحمته ونخشى عذابه .
ونعوذ برضاه من سخطه ، وبعفوه من عقوبته ، ونعوذ به من زوال نعمته وتحول عافيته وجميع سخطه .
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له .
له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير .
ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله .
أحب خلق الله إلى الله وأهداهم إليه سبيلاً وأقربهم إليه طريقًا ، بلغ رسالة ربه ونصح لأمته فلم يترك شيئًا يقرب من الجنة ويباعد عن النار إلا وأمر به .
ولم يترك شيئًا يباعد عن الجنة ويقرب من النار إلا ونهى عنه .
جعلني الله وإياكم من آله المؤمنين وحزبه المفلحين في الدنيا والآخرة .
وصل اللهم وسلم عليه وعلى آله وصحابته ومن اهتدى بهديه واستن بسنته صلاة وسلامًا دائمين متلازمين إلى يوم الدين .
وبعد :
فقد صح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه قال : يوشك أن ينقض عُرَى الإسلام عُروةً عُروةً من لا يعرف أفعال الجاهلية ، ومن بقايا الجاهلين الباقية بين المسلمين ، والتي ساعد على وجودها جهل بعض المسلمين بالإسلام ومحاكاتهم لغيرهم ممن يتطيرون من بعض الأشخاص أو من بعض الأيام أو الشهور أو مواقع النجوم أو من بعض الأرقام .
ولقد صح عن رسول الله صلي الله عليه وسلم قوله : ( لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر) يريد رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يوجه ويلفت نظر المؤمنين إلى أن هذه الأشياء ليست هي سَبَبَ النوازل والمصائب التي تنزل بالإنسان ؛ لأن الله سبحانه وتعالى -وهو الفعَّال لما يريد – يمتحن الناس بالنوازل ، ويمتن عليهم بالشفاء .
ولقد روى أبو هريرة عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال : (لا عدوى ولا صفر ولا هامة ) .
فقال أعرابي :
يا رسول الله فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيجيء البعير الأجرب فيدخل فيها فيجربها كلها ؟
فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : (فمن أعدى الأول ؟) .
ومقصود ذلك ومعناه : نفي ما كانت الجاهلية تزعمه وتعتقده أن المرض والعاهة تعدي بطبيعتها لا بفعل الله تعالى .
وأما قوله : (لا طيرة) وهي مصدر تَطَيَّرَ طِيَرَةً ، وأصل التطير : التشاؤم ، وأصله الشيء المكروه من قول أو فعل أو مرئي ، وكان العرب في جاهليتهم يتفاءلون ويتشاءمون بالطير .
فإذا طارت الطير يمينًا تفاءلوا واستبشروا ، وإذا طارت يسارًا تشاءموا وحزنوا ، ورجعوا من سفرهم أو حاجتهم .
وكانوا يتطيرون بصوت الغراب ويسمونه (البين) .
ولقد نفى الإسلام الطيرة والشؤم لما فيها من : سوء ظن بالله تعالى ، ومعارضة للتوكل والتسليم بقضاء الله ، ووضع بدلاً منها الفأل الحسن .
ولقد روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : (لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل) قال قيل وما الفأل ؟ قال : (الكلمة الطيبة) .
وعلى ذلك فيجب على المسلم أن يحسن الظن بالله في كل الأحوال ، وعدم الالتفات إلى مساقط الشيطان ووساوسه وشروره ، فيكون المؤمن واثقًا من ربه مستبشرًا ولا يكون منقبض الصدر ضيقه .
ولقد حارب رسول الله صلي الله عليه وسلم تلك الجاهليات ، وندد بها وبأصحابها بقوله -فيما يرويه عنه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه- : (الطيرة شرك – قاله ثلاثًا – وما منا إلا .. ولكن الله يذهبه بالتوكل) .
فتوكل يا أخي على الحي الذي لا يموت ، وسبح بحمده ؛ ليكون توكلك عليه سببًا في جلب النفع أو منع الضرر ، وما شاء الله كان وما قدر فعل ، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه .
وقد نهى رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يرجع الإنسان عن حاجته أو يعود من سفره أو يمتنع عن أداء عمله إذا تطير أو تشاءم .
فقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : (من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك) .
قالوا : فما كفارة ذلك ؟ قال : (أن تقول : اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ، ولا إله غيرك) .
ومن باب التطير : الاستقسام بالأزلام ، وقد ورد ذلك في القرآن في موضعين :
الأول : قوله تعالى : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ )[المائدة / 3]
الثاني : قوله تعالى : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا ال


