الجمعة 17 رمضان 1447 6-3-2026

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الجمعة 17 رمضان 1447 6-3-2026

الحكم بما أنزل الله ضرورة حياة

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

الحكم بما أنزل الله ضرورة حياة
بقلم علي محمد قريبه
-4-
القيم الإيمانية والقوى الطبيعية

إن السنن الإلهية الكونية تشتمل على نوعين غير منفصلين هما القيم الإيمانية والقوانين الطبيعية، ونتائج كل منها مرتبطة ومتداخلة بالآخرة. ذلك ما يوحي به التصور الصحيح الذي ينشئه القرآن الكريم في نفس المؤمن.. فعندما يحكي الله سبحانه عن أهل الكتب السماوية السابقة أنهم انحرفوا عنها يذكر أثر ذلك الانحراف ويقول ((وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ*وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ)) [المائدة: 65-66] والقرآن الكريم ينشئ هذا المعنى في النفوس وهو يتحدث عن وعد نوح لقومه فيقول سبحانه ((فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11)وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)) [نوح:10-12] كما ينشئ هذا المعنى في النفوس وهو يربط بين الواقع النفسي للناس والواقع الخارجي الذي يفعله الله بهم فيقول تعالى ((إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)) [الرعد: 11].
وهكذا نجد أن الإيمان بالله وإفراده بالعبادة وإقرار شريعته في الأرض، كلها إنفاذ لسنن الله، هذه السنن الكونية التي نرى ونلمس آثارها الواقعية.
ولا ينبغي أن نخدع حين نرى أن اتباع القوانين الطبيعية وحدها يؤدي إلى النجاح مع مخالفة القيم الإيمانية، لأن هذا الاختلاف قد لا تظهر نتائجه في أول الطريق وإنما تظهر في نهايته، مثلما وقع للمجتمع الإسلامي نفسه الذي بدأ خط صعوده من نقطة التقاء القوانين الطبيعية مع القيم الإيمانية في حياته، وبدأ خط هبوطه من نقطعة افتراقهما، وظل يهبط كلما انفرجت زاوية الافتراق، حتى وصل إلى ما وصل إليه الآن من تخلف عندما أهمل السنن الطبيعية والقيم الإيمانية جميعاً. ولا ينبغي أيضاً أن نخدع حين نرى الحضارة المادية تبهر العيون بانتصاراتها في عالم المادة، لأنها تقف كالطائر الذي يرف بجناح واحد قوي بينما جناحه الآخر مهيض، فترتقي في الإبداع المادي بقدر ارتكاسها في المعنى الإنساني، وتعاني من القلق والحيرة والأمراض النفسية والعصبية لأنهم لا يهتدون إلى منهج الله، وهو وحده العلاج والدواء.إن شريعة الله للناس هي طرف من قانونه الكلي للكون، وتطبيق هذه الشريعة لا بد أن يكون له أثره الإيماني في التنسيق بين نظام الناس في حياتهم ونظام الكون من حولهم. والشريعة إن هي إلا ثمرة الإيمان. ولا يمكن أن تقوم وحدها بغير أصلها الكبير. فهي موضوعة لتنفذ في مجتمع مسلم ولتسهم في بنائه،وهي متكاملة مع التصور الإسلامي للوجود كله بما فيه الوجود الإنساني، ومع ما ينشئه هذا التصور من تقوى في الضمير، ونظافة في الشعور، وضخامة في الاهتمامات، واستقامة في السلوك.. وهكذا يبدو التكامل والتناسق بين سنن الله كلها سواء ما نسميه قوانين الطبيعة وما نسميه القيم الإيمانية.
(الإسلام عقيدة ونظام)
من كل ما سبق تبين لنا أن الإسلام عقيدة في القلوب مرتبطة بنواميس الكون، وهو كذلك نظام دقيق شامل لشئون النفس البشرية أفراداً وجماعات، كما هو شامل لأمري الدنيا والآخرة. وإذا كانت العقيدة فيه تدعو إلى الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والرسل، فإن النظام فيه يضع للمسلم منهاج حياته، ويحدد له هدفه منها، ووسائل العمل التي تضمن له سعادة الدنيا والآخرة بحيث يبدو مصطبغاً بصبغته ((صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً)) [البقرة:138].
ويوم أتم الله على المسلمين نعمة ذلك الدين، ورضيه لهم إنما جعله مشتملاً على كل من العقيدة والنظام حتى لا يكون فيه نقص يحتاج إلى من يتمه. ومن هنا حرم الله على المؤمن أن يكون له الخيرة في أمر قضى فيه الله ورسوله بقضاء. وصدق الله العظيم ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)) [الأحزاب: 36] ولا عجب فإن أحكام الإسلام لا تتجزأ، ولا ينفصل بعضها عن بعض. وصدق الله العظيم ((أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ)) [البقرة:85].
وفي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تمنى قوم أن يترك الرسول بعض ما أنزل الله ليحكم بما يوافق أهواءهم. فنزل الوحي يأمر الرسول بالاستمساك بما أنزل الله، ويحذره من اتباع أهواء أولئك الفاسقين، و

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا