الحكمة البليغة من خطب النبي صلى الله عليه وسلم :
خطبته صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق
بقلم سماحة الشيخ : عبد اللَّه بن حميد
الرئيس العام للإشراف الديني بالمملكة العربية السعودية
وروى الإمام أحمد عن أبي حرة الرقاشي عن عمه قال : كنت آخذًا بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق أذود عنه الناس فقال يا أيها الناس هل تدرون في أي شهر أنتم وفي أي يوم أنتم وفي أي بلد . أنتم فقالوا في يوم حرام وبلد حرام وشهر حرام قال : فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا وفي بلدكم هذا إلى يوم تلقونه ثم قال اسمعوا مني تعيشوا ألا لا تظلموا ، ألا لا تظلموا ، إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه ألا وإن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة وإن أول دم يوضع دم ربيعة ابن الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعًا في بني ليث فقتلته هذيل ألا وإن كل ربا في الجاهلية موضوع وإن اللَّه عز وجل قضى أن أول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب لكم روءس أموالكم لا تظلمون ألا وأن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض ، ثم قرأ {إن عدة الشهور عند اللَّه اثنا عشر شهرًا في كتاب اللَّه يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم } ألا لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون ولكنه في التحريش بينكم واتقوا اللَّه في النساء فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئًا وأن لهن عليكم حقًا ولكم عليهن حقًا أن لا يوطئن فرشكم أحدًا غيركم . ولا يأذن في بيوتكم لأحد تكرهونه فإن خفتم نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مبرح .
قال حميد قلت ما المبرح ؟ قال المؤثر ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف وإنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة اللَّه عز وجل ، ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها ، وبسط يديه ، وقال : ألا هل بلغت ألا هل بلغت ثم قال ليبلغ الشاهد الغائب فإنه رب مبلغ أسعد من سامع قال حميد قال الحسن حين بلغ هذه الكلمة قد والله بلغوا أقوامًا كانوا أسعد به .
بو حرة الرقاشي ، هو بضم الحاء المهملة وتشديد الراء واسم أبي حرة حنيفة وقيل حكيم والرقاشي بفتح الراء وتخفيف القاف وبعد الألف شين معجمة . وثقه أبو داود وضعفه ابن معين .
قوله : أذود عنه الناس : أي أدفع الناس وأسوقهم عنه :
قوله ( : ” يا أيها الناس هل تدرون في أي شهر أنتم وفي أي يوم أنتم وفي أي بلد أنتم فقالوا في يوم حرام وبلد حرام وشهر حرام ” .
أي أن هذا الشهر وهو شهر ذي الحجة واليوم الذي هو أوسط أيام التشريق والبلد التي هي مكة أعظم تحريمًا من غيره ، فالقتال والتعدي في هذا الشهر وفي هذا اليوم وفي هذا البلد أشد تحريمًا من غيره في بقية الشهور والأيام والبلاد ، وإن كان كل ذلك حرامًا ممنوعًا غير أنه في هذا البلد وفي هذا الزمن أشد وأعظم ، وقد تقدم شرح ذلك . قوله ( : ” فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا وفي بلدكم هذا إلى يوم تلقونه ، أراد ( تذكيرهم بما هو مستقر في نفوسهم من حرمة الشهر واليوم والبلد ليقرر لهم تحريم دمائهم وأموالهم وأعراضهم بانيًا بهذا على ما هو ثابت في قلوبهم ، ومعلوم لديهم من حرمة الشهر واليوم والبلد ، وقد تقدم تحريمه .
وقوله ( : ” اسمعوا مني تعيشوا ألا لا تظلموا ، ألا لا تظلموا ، ألا لا تظلموا ” .
الظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وشرعًا التعدي على الناس في دم أو عرض أو مال ، وقد حرم الله الظلم علىنفسه كما قال في الحديث القدسي : إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا ” فالله سبحانه وتعالى أخبر بعدم ظلمه لعباده . قال تعالى : { وما ربك بظلام للعبيد } { ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدًا } { وما الله يريد ظلمًا للعباد } .
وقوله ( : ” ألا لا تظلموا أي لا تظلموا أنفسكم بالعدول عن التوحيد إلى الشرك ومن الهدى إلى الضلال ومن الخير إلى الشر كما لا تظلموا غيركم في دم أو مال أو عرض فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عماله عن الظلم ، فقال : واتق دعوة المظلوم أي : اجعل بينك وبينها وقاية بالعدل وترك الظلم وهذان الأمران يقيان من رُزقهما من جميع الشرور دنيا وأخرى . وفي الحديث : ” إن دعوة المظلوم لتخترق السبع الطباق حتى تأخذ بالعرش فيقول لها الرب : راجعي فوعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين ” .
وكرر النهي عن الظلم ثلاثًا تعظيمًا لشأنه وتحذيرًا من عاقبة شؤمه ، فلا يجوز التعدي على أحد بغير حق في دم ولا عرض ولا مال والله سبحانه وتعالى أمر بالعدل بين الناس في أقوالهم وأفعالهم ، قال تعالى : { إن اللَّه يأمركم أن تؤدو الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكمو


