الحسد والاستعاذة منه
بقلم : أحمد طه نصر
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إذا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إذا حَسَدَ)[1-5 الفلق] الحسد مرض من أمراض القلب وداء من أدواء النفس والحاسد هو الذي يتمنى زوال نعمة محسوده ولا يرضى أن تتجدد له نعمة وهو- إذا حسد أي أنفذ حسده وحققه بالسعي والمكيدة في إزالة نعمة من يحسده – من أشد خلق الله أذى ومن أخفاهم حيلة وليس في طاقة محسوده ولا في استطاعته الوقوف على ما يدبره من المكائد فلا نجاة ولا ملجأ منه إلا إلى الله وحده فهو القادر سبحانه على كف إذاه وإحباط سعيه
وقد نفر الدين من كل ذلك وبين أن الحسد خلق النفس الذميمة الوضيعة التي ليس فيها حرص على الخير فلعجزها ومهانتها تحسد من يكسب الخير والمحامد وتتمنى أن لوفاته كسبها حتى يساويها في العدم كما قال تعالى (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً)[89 النساء] وقال أيضا (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ)[109 البقرة] وقد أوضح الكتاب الكريم أن الحسد أخلاق المنافقين وأمرنا بالاستعاذة منه والحسد مفسد للطاعات مذهب للحسنات باعث على الخطيئات وهو نار تضطرم في صدر الحاسد وسعير يتلظى في أحشائه إنه داء يفعل في الحاسد أكثر مما يفعل بالمحسود وصدق من قال [الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله]
وإن تعجب فعجب للإنسان إذ يحسد على نعمة أخيه فإن كان الله الذي أعطاه قد كرمه ومنحه فلم (فلم تقرأ تقرأ بكسر اللام وفتح الميم) يحسد من أكرمه الله ؟ وإن كانت النعمة أوالعطاء له استدراجا وإملاء فلم يحسد من مصيره إلى بلاء أوشقاء ؟ إن أول خطيئة عصي الله بها هي الحسد فقد حسد إبليس آدم عليه السلام إذ كرمه ربه وجعله خليفة في الأرض وأمر الملائكة بالسجود له تكريما وتقديرا فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر واعتلج في قلبه الحسد فحمله على معصية ربه وتقلد بذلك الخزي والهوان وأصبح من الهالكين أهل الحرمان
ثم ما الذي حمل أحد ولدي آدم عليه السلام على أن يقتل أخاه ؟ إن هو إلا داء الحسد يقول تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[27-30 المائدة] فالحسود ناقم على أقدار الله قد عادى حكمته سبحانه (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)[54 النساء]
وكم سبب الحسد في نفس صاحبه عقدا نفسية تركت به أمراضا لا تذهب آثارها ولا تنتهي مضاعفاتها والحسد يجعل من أصلب الرجال عودا وأقواهم صحة وأوفرهم بنية – مرضى قد ذبلت أجسامهم وضعفت قوتهم ووهنت أعصابهم وإنك لن تر الحسود الحقود إلا رجلا قد رسم الحقد في وجهه تجاعيد الكبر ولفحة الشيب المبكر وإن كان لا يزال في نضج حياته وعنفوان شبابه فآلام النفس أفتك بالأرواح من آلام الجسد فقل لحاسدي الناس وذوي الاحقاد الذين سعوا في الأرض بالفساد ألم يأن لكم أن تخشع قلوبكم لذكر الله مقسم النعم وأن يستمع وجدانكم لقولكم لقوله تعالى (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)[32 الزخرف] فعلام الجشع والطمع ولماذا الحقد والحسد ؟ وقد خلق الله الناس متفاوتين في الأرزاق مختلفين في الأعمار متباينين في الأحوال كتب سبحانه لكل إنسان ما كتب وسطر وقضى له من هذه الدنيا بما قضى وقدر وكل ذلك خير له وإن خفى عليه فلن يكون الإنسان مؤمنا حتى لا يرى لنفسه تدبيرا وتقديرا مع تدبير ربه وحتى يرضى بالقضاء والقدر فلا ييأس المحروم على ما فاته بل يرضى بما قسم له ويسعى ويبذل الجهد في الخير والعمل وينقي صدره من الحقد والحسد لأن القلب النقي السليم من أدران الحسد يقود صاحبه إلى السعادة في الدنيا والجنة في الآخرة
ولنسمع إلى صحابي جليل – رضوان الله عليهم أجمعين – أنس بن مالك يقول [كنا يوما جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يطلع عليكم من هذا الفج رجل م


