التوحيد والسلوك الإنسانى
بقلم: محمود عبد الرازق
التقوى تنقى المعرفة وتصبغ السلوك
وقفنا فى المقال أمام قول الحق سبحانه وتعالى سورة الأنعام (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) الأنعام .
فالله عز وجل يبين لنا أن عقيدة الإنسان تتكون مما يستقر فى باطن الإنسان ويرتضيه فى عقلة ووجدانه. فإذا كان الذى يستقر فى القلب ويرتضيه العقل هو وحى الشيطان بنوعيه شياطين الإنس والجن فالعقيدة فاسدة والحركة معوجة فاسقة، فالإنسان يتلقى بملكة الإدراك والتلقي ما يرتضيه لنفسه ويختار من نوعى الوحى المشار إليهما فى الآية التى تبين أن وحى الشيطان هو المعاند والمعاكس لوحي الرحمن. وبعد أن يتلقى الإنسان الوحي بوسائل الإدراك يعرضه على فؤاده. أى يدخله إلى أعماقه فيميل إليه الفؤاد ويرتضيه. وبعد أن يتقبله الفؤاد ويرتضيه يقره ويبدأ بعد ذلك السلوك العملي فى ضوء ما استقر فى الفؤاد وهذا هو السلوك الخارجى نتيجة هذه الدوافع الداخلية. وهذا ما يبينه لنا الحق سبحانه وتعالى فى قوله (وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ) أى تكسب حواسهم وجوارحهم الأعمال التى ارتضوا أساسها فى قلوبهم فباطن الإنسان هو الذى يتقبل المعارف ويصهرها وقد عبر القرآن عن باطن الإنسان هذا بالأفئدة .
ما هى طبيعة الأفئدة .
لكى تعرف طبيعة الأفئدة وكنهها باعتبارها هى عمق الإنسان فإننا نقصد إلى القرآن الكريم لكى يعلمنا فهو كلام خالقنا (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير) تبارك:14 .
فإذا نظرنا فى القرآن وهو يعرض لكلمة الفؤاد فى حالة اضطرابه وحركته لكى نستلهم منه معنى كلمة فؤاد وطبيعتها خاصة عندما تتزاحم علية المعارف والمدركات والأحاسيس والمشاعر والانفعالات والعواطف .. لا نجد أنسب من وصف القرآن الكريم لفؤاد أم موسى. والقصة معروفة ومشهورة لنا ولسنا فى حاجة إلى سردها. يصف القرآن الكريم فؤاد أم موسى بقوله: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين) الآية 10 من سورة القصص ففى الآية ذكر للفؤاد وذكر للقلب وأن الله عز وجل ربط على القلب فهدأ الفؤاد واستقر .
وإذا رجعنا إلى كتب التفسير لنقف على المراد من كلمة فؤاد وكلمة قلب فى هذه الآية نجد..
أولا فى تفسير ابن كثير: أصبح فؤاد أم موسى فارغا من كل شئ من أمور الدنيا إلا من موسى .
ثانيا فى تفسير النسفى: أصبح فؤاد أم موسى صفرا من العقل لما دهمها من فرط الحزن والجزع لما سمعت بوقوعه فى يد فرعون. والربط على القلب تقويته بإلهام الصبر .
ثالثا فى تفسير الجلالين أصبح فؤاد أم موسى فارغا مما سواه ربطنا على قلبها بالصبر .
رابعا فى كتاب المصحف الميسر للشيخ عبد الجليل عيسى الفؤاد – لا يطلق الفؤاد على القلب إلا فى حالة توقده وشدة يقظته – فارغا المراد خاليا من القوة الضابطة للشعور التى تصدر عنها التصرفات السليمة …
وربطنا على قلبها المراد وثبتناها .
وأحالها الشيخ عبد الجليل عيسى إلى قول الحق سبحانه وتعالى فى سورة إبراهيم (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)) أفئدتهم هواء أى قلوبهم خالية من الفهم والتدبر كالهواء أى الخلاء الذى لا شئ فيه .
ومن العرض السابق نستطيع أن نصل إلى ما يلى:
اتفق المفسرون على أن فؤاد أم موسى عندما علمت أن فرعون قد ألتقطه وأخذه أصبح فارغا من كل شئ فى الوجود إلا موسى … أى فى حالة ذهول عما حولها ولم تعد تعى ولا تذكر شيئا إلا أن تحفظ ابنها موسى … وفى تفسير النسفى فارغا أى صفرا من العقل أى لا يوجد ضابط لانفعالاتها وعواطفها .
وقول الشيخ عبد الجليل عيسى فى كتابه المصحف الميسر أنه لاتطلق كلمة الفؤاد على القلب إلا فى حالة توقده وشدة يقظته … فإن هذا يكون أساسا لتصوير الحالة الوجدانية لأم موسى من هياج عاطفة الأمومة فى أعماقها وتوقد مشاعر اللهفة واضطراب الانفعالات وثورة النفس لدرجة أنها أصبحت لا تدرك شيئا حولها … حتى أنها كادت أن تصرخ فى الناس وتجلى الأمر وتقول إن ما عند فرعون هو طفلي موسى. لولا أن ربط الله عز وجل على قلبها بالصبر وثبتها فتحكمت فى عواطفها وانفعالاتها ومشاعرها وأحاسيسها وصبرت وهدأت واستقرت وقالت لأخته قصيه وأبص


