التوحيد والسلوك الإنسانى
بقلم : محمود عبد الرازق
– 14 –
عرفنا فى المقال السابق لآراء بعض الفلاسفة وعلماء النفس فى طبيعة النفس البشرية وكيفية تطهيرها وكيف أن هذه الآراء كانت بمثابة الجذور والأصول التى مدت وغذت الفكر الإسلامى المنحرف عن عقيدة التوحيد .
ونعرض فى هذا المقال إن شاء الله نماذج للفكر الإسلامى الذى تأثر بهذه الآراء وخاصة تلك الأسماء اللامعة التى تحتل فى عقول كثير من المسلمين وقلوبهم مكانةً عالية رفيعة مثل الفارابى وابن سينا والغزالى وابن مسكوية وفى هذا الصدد أنقل بعض المقاطع من كتاب أضواء على النفس البشرية للدكتور عبد العزيز جادو حتى لا تكون هناك شبهة محاولة الإساءة إلى هؤلاء .
لقد ذهب فلاسفة الإسلام ومفكرو العرب من أمثال الفارابى وابن سينا وابن مسكوية والغزالى فى النفس مذاهب شتى . ونرى من تعريفهم للنفس أنهم أخذوا عن أرسطو آراءه وحوروها واتجهوا بها اتجاها أفلاطونيا ملونا بالأفلوطينية المحدثة ص92 من المرجع المشار إليه .
وأذكر حضراتكم أن سبب عرضنا لآراء بعض الفلاسفة والعلماء غير المسلمين وأثر فكرهم على العلماء والمفكرين المسلمين وانعكاس ذلك على انحراف المسلمين عن عقيدة التوحيد وفهمهم الخاطىء لقضية التقوى مما أدى إلى فساد حياتهم وتأخرهم وانحطاطهم . ويزداد الأمر وضوحاً عندما نقرأ معاً ما قاله الفارابى عن النفس ، فهو يرى أن الإنسان مكون من عنصرين أو جوهرين من عالم الحس ومن عالم الأمر .
الفارابى
يقول الفارابى ( إن الروح الذى لك من جوهر عالم الأمر ولا يتعين بإشارة ولا يتردد بين سكون وحركة ، فلذلك تدرك المعلوم الذى فات والمنتظر الذى هو آت وتسبح فى عالم الملكوت وتنتقش من خاتم الجبروت ) صـ 93 المرجع السابق .
فالفارابى فى هذا المقطع يجعل النفس الإنسانية من عالم الأمر تدرك الماضى والمنتظر وهو المستقبل . أى أن الإنسان قادر على معرفة الغيب وأيضاً يقول إن النفس أو الروح تسبح فى عالم الملكوت وتنتقش من خاتم الجبروت . وهنا نسأل عن معنى الانتقاش من خاتم الجبروت ؟ فنقش الخاتم هو بصمة الخاتم ( الختم ) فنفس الإنسان تنتقش أى تبصم بخاتم الجبروت أى تصبح صورة من خاتم الجبروت . فما هو خاتم الجبروت ؟ أوليس الجبروت صيغة من صيغ التعظيم لاسم الجبار مثل تعظيم العظيم بالعظموت ؟ وهذا يصور لنا فى وضوح تأثر هؤلاء الفلاسفة المسلمين بآراء أفلوطين والهرامسة السابق الإشارة إليها فى أن النفس البشرية انبثاق وفيض من البارى عز وجل وأنها تسمو وترتفع بالفناء فى الذات التى فاضت عنها .
يقول الفارابى إن النفس العاقلة هى جوهر الإنسان عند التحقيق وأنها لا تفنى بفناء الجسم وأن المعرفة الحقة هى سبيل الصعود إلى العالم العلوى ) صـ 94 المرجع السابق .
فخر الدين الرازى
يقول فخر الدين أبو عبد الله محمد الرازى : وبالجملة فالنفس الناطقة عرش محيط بعالم الطبيعة التى هى القوة الإلهية السارية فى الأجسام كلها إحاطة شاملة كما أن المبادىء العالية محيطة بها والله من ورائهم محيط . فإذا نحت النفوس بمداركها وحركة فكرها إلى جهة المحيط واتصلت بالعالم العلوى كانت كأنها روح من أرواحه ومجلى من مجليه يظهر فيه وعنه من الخوارق كل ما أراد أن يظهره الفياض من طريقه . وإذا تنزلت إلى عالم الطبيعة واشتغلت بلذات البدن وشهوته لم يكن لها من الإدراك والتصرف إلا ما تسعه قواه الكونية الضعيفة ) صـ 96 ، صـ 97 من المرجع السابق .
وهكذا نرى بوضوح اتفاق الرؤية الصوفية فى التجلى والفناء فى الذات مع ما سبق من آراء الهرامسة والأفلوطينية الحديثة وما نقله عنهم من العلماء المسلمين كما هو واضح فى فكر الفارابى وفخر الدين الرازى. ومن هذه الأقوال أقام الصوفيون مذهبهم فى أن الولى هو صاحب النفس الكاملة فهو أصبح من عالم الملكوت وأن المريد عليه أن يتبعه .. كما يظهر بوضوح أمامنا الآن أساس صور انحراف الصوفية من التفرق خلف الأولياء طرقا مختلفة وشيوع الشركيات من تعظيم غير الله والنذر لغير الله وتحديد أماكن للطواف لم يأذن بها الله تتمثل فى القباب التى يدعون أن فيها الولى صاحب القوى الإلهية والذى يتحد ويفنى فى الذات الإلهية كما هو ثابت فى كتبهم .. الأمر الذى أدى بنا فى النهاية إلى هذا السلوك الوخيم المنحرف عن عقيدة التوحيد .
وفى المقال التالى إن شاء الله نعرض لنماذج أخرى من الفكر الإسلامى المتأثر بأفكار غير المسلمين .
محمود عبد الرازق
وكيل جماعة أنصار السنة المحمدية بالدخيلة


