بسم اللَّه الرحمن الرحيم
باب التفسير
يقدمه: عنتر أحمد حشاد
سورة البقرة
{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ . وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ . وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ . وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ} البقرة: 43.
رأينا- في عرض هذه السورة- أنها أول سورة مدنية، نزلت بعد الهجرة، بعد أن أصبح للمسلمين في المدينة جوار جديد غير جوارهم السابق في مكة، فقد أصبحوا يجاورون فيها أهل الكتاب من اليهود والنصارى من بني إسرائيل، بعد جوارهم للمشركين في مكة قبل الهجرة ( ارجع- إن شئت- إلى أعداد ذي الحجة 1395، والمحرم وصفر وربيع الأول 1396 من المجلة ).
وقد كان من المرتقب أن يلبي هذا الجوار الجديد دعوة النبي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، وكانوا يطلبون به- قبل مجيئه- النصرة على أعدائهم ( كما قال تعالى: {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} [البقرة: 89]، ويستفتحون: يطلبون الفتح، وهو النصر على أعدائهم من المشركين بإيمانهم به واتباعه وجهادهم معه )، ولكن خاب الفأل، وضاع المرتقب، إذ كفروا به بغيًا أن ينزل اللَّه من فضله على من يشاء من عباده، وحسدًا أن يكون هذا النبي من العرب أولاد إسماعيل، وألا يكون من بني إسرائيل، وكان ذلك منهم حبًا في الرياسة، وتعصبًا لبني جدهم إسرائيل، دون نظر إلى الحق، يريدون أن يقصروا فضل اللَّه عليهم ولا يرضون عما أعطى اللَّه غيرهم من فضله، فتحدثت السورة عنهم في أربع وثمانين آية ( من الآية 40- إلى الآية 123 ) بدأها اللَّه وختمها بندائهم، ونسبتهم إلى أبيهم ( إسرائيل ) يستحثهم على الإيمان، ويذكرهم بنعمته عليهم:
{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ . وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ . وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ . وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ}.
بنو إسرائيل أكثر الأمم نعمًا، وأشدهم عصيانًا وكفرا:
{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}.
بعد دعوة الناس كافة إلى عبادة اللَّه وحده، وتذكيرهم بنعمه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، يدعو اللَّه تعالى بني إسرائيل خاصة إلى ذكر نعمه، والوفاء بعهده، وخشيته وحده، فيبدأ الكلام معهم بهذه الآية الفذة، وهي على قلة كلماتها جامعة لأغراض الحديث كله: ففيها يناديهم بأحب أسمائهم، وأشرف أنسابهم: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} ( وإسرائيل: باللغة العبرية معناها: ( عبد اللَّه ) أو ( صفوة اللَّه ) باللغة العربية و ( ايل ) معناها ( اللَّه ). وهو لقب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام).
ويذكرهم بسابق نعمته عليهم إجمالاً، ويبني على ذلك دعوتهم إلى الوفاء بعهد اللَّه، ليشملهم برحمته، ويجزيهم بإحسانه، وينجيهم من عذابه، ترغيبًا وترهيبًا، ليخشوه وحده ويتقوه. وذكر النعم: شكر اللَّه تعالى عليها.
وقد فصلت هذه النعم، كما فصل وشرح العهد الذي طلب منهم الوفاء به في الآيات التالية.
والخطاب- في كل ذلك- موجه إلى المعاصرين منهم للنبي صلى الله عليه وسلم، مع أن بعض هذه النعم كانت على آبائهم، كالإنجاء من الغرق، وإغراق فرعون وجنوده، وبعض هذه المعاصي كانت من هؤلاء الآباء أيضًا كاتخاذ عجل السامرى إلهًا، وقولهم لموسى: {أَرِنَا اللَّهِ جَهْرَةً}، وإنما ذكر المعاصرون منهم بنعم الآباء لأن أثرها واصل إليهم وفضلها عائد عليهم.
وإنما وبخوا على معاصيهم، لأنهم يعتزون بالانتساب إليهم، ومن اعتز بآثم فهو آثم مثله، وكأنما فعل فعله، ولأن عار أثم الآباء يلحق الذرية،ما داموا على سنتهم في الضلال، فكأنهم فيه شركاء.
والعهد الذي أمرهم اللَّه تعالى بالإيفاء به: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي} ما عهد إليهم بفعله من الإيمان والطاعة والعمل الصالح أن يؤدوه وافيا، ليفى اللَّه تعالى بعهده إليهم أن يثيبهم، ويحسن جزاءهم.


