بسم اللَّه الرحمن الرحيم
باب التفسير
يقدمه: عنتر أحمد حشاد
سورة البقرة
{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
في الآيات السابقة ( وهي الآيات التي شرحناها في العدد السابق من 30- إلى 33 ) رأينا حكمة اللَّه- عز وجل- في خلق الإنسان مزودًا بقوى العقل والإدراك، وقوى العمل في هذه الحياة، واستخلافه في الأرض ليعمرها، ويقيم الحق والعدل وأحكام اللَّه تعالى فيها {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} ثم ما كان من الملائكة من الاستفسار عن الحكمة في خلق هذا النوع، وهو- على ما يعلمون- ذو شهوة وغضب، بهما يفسد في الأرض، ويسفك الدماء. وعندئذ أراهم اللَّه تعالى قدرة الإنسان- بما ركب فيه- على معرفة خصائص الأشياء، وطلب منهم الإخبار بها، فظهر عجزهم عما يقدر عليه الإنسان، وعلموا أنهم لا يستطيعون الخلافة في الأرض التي اختير لها ذلك النوع الإنساني على معرفة هذه الخصائص والانتفاع بها فآمنوا بحكمة اللَّه {قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}.
وفي هذه الآيات ( من 34- إلى 39 ) نرى تكريم اللَّه لآدم- عليه السلام- وأمره الملائكة بالسجود له وتعظيمه، وانقيادهم لأمره سبحانه، وسجودهم لآدم كما أمروا: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} نفس شريرة، عتت عن أمر ربها، وكانت من الكافرين.
منح اللَّه آدم منزلة التكريم، وجعل له زوجًا من نفسه يسكن إليها، ومكنهما من متعة المادة ( بسكنى الجنة، والأكل منها والتمتع بما فيها )، بعد متعة المودة، ثم اختبرهما- لحكمته البالغة- بالنهى عن الأكل من شجرة من أشجار الجنة، ولكن الشيطان الذي أبى أن يسجد لآدم وقف له بالمرصاد، وما زال يغريه وزوجه، ويوسوس لهما حتى زلا ووقعا في المخالفة، وعندئذ أنزلا من الجنة إلى حيث التكليف، وحيث العمل، وحيث المنازعات والمنافسات: {وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} وعندئذ أدرك آدم خطيئته، فتلقى من ربه كلمات فتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم، وقرر له ولذريته نظام حياتهم، وطريق سعادتهم وشقائهم: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
هذا مجمل ما نراه في هذه الآيات الكريمة، وبعد هذا الإجمال نعود إلى الآيات بشيء من التفصيل:
سجود الملائكة لآدم:
{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}.
معنى السجود في اللغة: التذلل والخضوع مع انخفاض بانحناء وغيره، وخص في الشرع: بوضع الجبهة في الأرض على قصد العبادة.
والأظهر أن المأمور به: السجود بالمعنى اللغوي، وهو التواضع والخضوع لآدم تحية وتعظيما، وإقرارًا له بالفضل دون وضع الجباه على الأرض، كسجود إخوة يوسف له، وهو إنما كان بالانحناء. وقد أبطل الإسلام ذلك، وجعل التحية السلام والمصافحة. وهذا الأمر ابتلاء واختبار، ليميز اللَّه الخبيث من الطيب، وينفذ ما سبق به من العلم، واقتضته المشيئة والحكمة، فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين.
وإبليس أبو الجن، لم يكن من جنس الملائكة، إنما كان معهم، إذ لو كان منهم ما عصى، فصفة الملائكة الأولى أنهم: {لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم: 6]، وأنهم: {عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} [الأنبياء: 26، 27]، والاستثناء هنا {إلا إبليس} لا يدل على أنه من جنسهم، فكونه معهم يجيز هذا الاستثناء كما تقول: ( جاء بنو فلان إلا أحمد ) وأحمد ليس من بني فلان، وإنما هو عشيرهم ( العشير: الم


