بسم اللَّه الرحمن الرحيم
باب التفسير
يقدمه: عنتر أحمد حشاد
سورة البقرة
{وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ. وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. سورة البقرة آية 25.
في الآيتين السابقتين دعا اللَّه الناس إلى عبادته، وعدم الإشراك به، ولفت أنظارهم إلى آيات رحمته وقدرته، فهو وحده الخالق الرازق، خلقهم وآباءهم، وأوجدهم من العدم، وأمدهم بوسائل الحياة والبقاء من الأرض والسماء، والخالق الرازق حقيق أن يعبد وحده.
وفي هذه الآيات برهن لهم على أنه هو الذي دعاهم، فالقرآن الكريم كلامه، وما محمد – عبده – إلا مبلغ دعوته وما نزل عليه من ربه، منذر للكافرين، مبشر للمؤمنين الذين يعملون الصالحات.
قال جل ثناؤه، وتباركت آلاؤه: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} أي: إن كنتم في شك من القرآن الذي نزلناه على عبدنا محمد ؛ أي في شك من أنه منزل من عندنا، وزعمتم أنه من قول البشر، فها أنتم هؤلاء من البشر، وها أنتم هؤلاء أرباب البلاغة والفصاحة فأتوا بسورة من مثل هذا القرآن في البلاغة وحسن النظم، وتضمن مصالح الدنيا والآخرة، {وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللَّهِ}، وادعوا من يشهد لكم بهذا – من دون اللَّه – فاللَّه قد شهد لعبده بالصدق في دعواه.
{إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في دعواكم أن القرآن كلام البشر، وليس من عند اللَّه.
ووصف الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبودية لله (عبدنا ) تشريف له، وتنويه بشأنه.
والسورة: مجموعة من الآيات لها اسم أو أسماء خاصة بها، وأقصر سورة في القرآن عدد آياتها ثلاث.
وسبب تحديهم بهذه الآية وأمثالها (1) {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ} [الطور: 34]، {فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} [هود: 13]، {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} [يونس: 38] .: أنهم قالوا: {لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـذَا} [الأنفال: 31]، ولما نزل القرآن منجما حسب الحوادث، ولم ينزل جملة واحدة لم يعجبهم هذا،وقالوا: {لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الفرقان: 32]، فجعلوا نزوله منجما حسب الوقائع دليلا على أنه ليس من عند اللَّه.
وقال بعضهم في أحاديثهم عنه: إنه أساطير الأولين، وزعم آخرون: أنه سحر… تخبط منهم ناشئ عن إصرارهم على الكفر، فهم يلتمسون العلل الباطلة لبقائهم على دينهم، ولحمل المؤمنين على ترك الإسلام. فلا جرم أن تنزل هذه الآية لتحديهم فيما زعموه، حتى إذا ما عجزوا وجب اعترافهم بأن القرآن من عند اللَّه، وأن المنزل عليه هو نبي اللَّه ورسوله. فهذا التحدى يستهدف إثبات أن القرآن من عند اللَّه لا من قول البشر، وأن محمدا صادق في أنه رسول من عند اللَّه، ويقطع معذرة من لم يستجب لدعوة اللَّه، لأنه بعد أن أقام سبحانه الدليل القاطع الواضح على أن ما يدعو إليه حق، وعلى أن الدعوة هي من عنده بالحق – لا عذر لمن لا يستجيب لدعوته.
ومعنى آية التحدى هذه إجمالاً: إن كنتم – أيها الكفرة – صادقين في دعواكم: أن القرآن من كلام البشر – وأنتم من البشر – فأتوا بسورة مثل هذا القرآن: في بلاغته وفصاحته، ومعناه وأحكامه، وقد أنزل القرآن عربيا، فهو من لغتكم، لا من لغة تجهلونها، والعربية مجال تنافسكم وتسابقكم في المحافل العربية.
ولو كان مقدورًا لهم لفعلوا، ولأذاعوا به، وأشاعوا، ولم يثبت شيء من ذلك عنهم. وبذلك ثبت عجزهم المطلق. وإذا عجزوا – وهم الفصحاء البلغاء – كان غيرهم أعجز.
{فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ…..} الآية.
(إن) الشرطية – هنا – مستعملة لليقين. [إن الشرطية بكسر الهمزة وسكون النون غالب استعمالها للشك كما جاء في قوله تعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} بخلاف (إذا) الشرطية فإنها لليقين]. إذ لم يأت واحد منهم – فعلا – بسورة من مثل هذا القرآن، و (لن) في (ولن تفعلوا) من الآية إنما هي لنفي الفعل المستمر في المستقبل إلى الأبد. وذلك من معجزات القرآن، إذ لم يقع منهم أنهم أتوا بسورة مثله.
{فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}.
أي: فارجعوا إلى الصواب، واعترفوا بأن القر


