الجمعة 14 جمادى الآخرة 1447 5-12-2025

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الجمعة 14 جمادى الآخرة 1447 5-12-2025

التفسير

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

العدد الخامس
جمادى الأولى 1399

بسم اللَّه الرحمن الرحيم
باب التفسير
يقدمه: عنتر أحمد حشاد
سورة البقرة

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ. وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ. فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}.
تعود الآيات إلى تعداد النعم، فتذكر بنى إسرائيل بأخذ الميثاق عليهم أن يعملوا بالتوراة، وأن يأخذوا أحكامها بقوة، وأن يتجهوا إلى إصلاح أنفسهم بها لعلهم يتقون.
وتذكرهم بآية من آيات اللَّه( هي رفع الجبل فوقهم، كما سيأتي- إن شاء اللَّه- توضيحه )، كان جديرًا بهم أن يعتبروا بها، وأن يعلموا أن القادر عليها قادر على أن يقلب الأرض عليهم، فيصبحوا بها هامدين صرعى لا حراك بهم. ولكنهم ظلوا- بعد هذه الآية- على شأنهم من الإعراض والعناد والمكابرة، ومع هذا فقد امتدت إليهم رحمة اللَّه، وعاملهم بفضله وإحسانه، ولم يشأ أن يعجل لهم العذاب، بل قبل توبتهم وأمهلهم: {فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ}.
ثم تذكرهم بما كان من بعض أسلافهم حينما خالفوا عن أمر اللَّه، ولم يتفرغوا لعبادته يوم السبت- كما أمرهم- واحتالوا- بطريقة عجيبة- لصيد السمك الذي حرمه اللَّه تعالى عليهم في هذا اليوم، فضرب اللَّه عليهم الخزي، وسلبهم خصائص الإنسانية الفاضلة، وملأ قلوبهم بالطمع والشره، شأن القردة، وكانت تلك عقوبة ظاهرة فيهم، وفي أسلافهم من بعد: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ 65 فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}.
وبعد هذا الإجمال نعود إلى تفسير الآيات بشيء من التفصيل:
(أ) نقض بني إسرائيل الميثاق، واستمرار إعراضهم:
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ( الميثاق: العهد الموثق المؤكد، وقد أخذ اللَّه على بنى إسرائيل- في عهد موسى- أن يعملوا بالتوراة ) وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ( الطور: الجبل المعروف بسيناء، وهو جبل المناجاة الذي أنزلت فيه التوراة على موسى، ورفعه: نزعه وإعلاؤه عن مقره، وهو المقصود بنتقه المذكور في آية 171 من سورة الأعراف: {وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ) خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ ( بقوة: بجهد واجتهاد ) وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 63 ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ}.
طلب بنو إسرائيل من موسى أن يأتيهم بكتاب من عند اللَّه، فلما جاءهم بالتوراة ليهتدوا بها، ورأوا ما فيها من تكاليف- عز عليهم أن يقوموا بها، ورفضوها، وأبوا قبولها، فأمر اللَّه جبريل بقلع الطور، ورفعه فوقهم كأنه ظلة ( الظلة في الأصل: كل ما أظلك من سقف أو غمامة، أو نحوها )، حتى قبلوا، لأنهم ظنوا أنه واقع بهم. وقد أمرهم اللَّه أن يأخذوا الكتاب بقوة، وأن يعملوا بما فيه بجد واجتهاد، وقد فسر ابن عباس رضي اللَّهُ تعالى عنهما قوله تعالى: {خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} بقوله: ” أي قلنا لهم: خذوا ما آتيناكم بجد واجتهاد مع حسن النية والإخلاص”.
وإيمان بنى إسرائيل، وعملهم بالتوراة لم يكن بالإلجاء والإكراه، فهذا مما ينافي التكليف الذي يقوم على الاختيار، ويكون العقيدة الصحيحة المبنية على الاقتناع، كما قال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} ( من الآية 256 من سورة البقرة ) وإنما أمروا بالإيمان عن اختيار، فلما لم يمتثلوا كانت آيات التخويف لهم بمنزلة مشروعية القتال للكفار، لا لإصلاح حالهم مع اللَّه تعالى، فإن الحكمة تدعو إلى الأخذ بالقوة إذا فشل النصح والإرشاد، ولهذا ينبغي أن يؤدب الوالد بالقوة ابنه المعوج في السلوك، إذا لم يجده تكرار النصح، حتى لا يستمر فساده.
وقد أمرهم اللَّه عز وجل بعد أخذ الكتاب بقوة أن يذكروا ما فيه ليكونوا من المتقين: {وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي ادرسوا ما فيه، وداوموا على تذكره، حتى يرسخ في قلوبكم، فإنكم إن فعلتم ذلك قويت صلتكم بربكم، وكنتم من المتقين.
وفي الآية دليل على أن مجرد العلم غير كاف، بل لا بد من الدراسة والمتابعة.
ولكن بنى إسرائيل- بعد هذا الميثاق، و

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا