التوحيد
السنة السابعة
العدد 2
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
باب التفسير
يقدمه: عنتر أحمد حشاد
سورة البقرة
{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} البقرة: 61.
في هذه الآية الكريمة يذكر اللَّه تعالى بني إسرائيل بتمردهم في طلب الماديات، واقتراحهم بدل ذلك الرزق الناعم ( المن والسلوى بدون تعب منهم في تحصيله، كما مر في ص 4 من العدد 11، عدد شهر ذى القعدة 1398 من المجلة )عيشة الكدح والعناء ( بالأكل مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، واستبدال الأدنى بالذي هو خير ) {لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ} وهو المن والسلوى {فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} كما تمردوا بطلب رؤية اللَّه من قبل {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً}.
نزق وطغيان، فهم يعلمون أنهم في صحراء لا ماء فيها ولا زرع، ولا تنبت شيئًا مما يطلبون، ولكنه العناد والتمرد، يذهب بصاحبه في الضلال كل مذهب، ويطلب به الأدنى بدل الأعلى {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ}؟ ومع هذا فلكم ما سألتم: اخرجوا من التيه، وادخلوا مصرًا ( بلدًا من البلاد التي تنبت ما طلبتم، والمصر: البقعة التي يجتمع فيها قرى ومحال، أي البلد العظيم، والمراد به: أي بلد زراعي من الريف ) من الأمصار تنبت لكم أرضها ما طلبتم، وقوموا بحق اللَّه، واستمعوا لأنبيائه، ولكنهم يصرون على طريقتهم: يكفرون بآيات اللَّه، ويقتلون النبيين بغير الحق، ويعصون أوامر اللَّه، ويعتدون على الحقوق والحريات، ولا يزالون كذلك حتى يضرب اللَّه عليهم الذلة والمسكنة، ويبوءوا بغضبه وعقابه: {ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ}.
* * *
تمرد بني إسرائيل في طلب الماديات، وكفرهم، واعتداؤهم، وانتقام اللَّه- تعالى- منهم:
{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ (طعام واحد: أي نوع واحد من الطعام، وهو المن والسلوى ) فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا (بقلها: بقل الأرض، وهو النبات الرطب مما يأكل الناس والأنعام، والمراد به هنا: أطايب البقول التي يأكلها الناس ) وَقِثَّائِهَا (قثائها: القثاء: اسم جنس لكل ما يسمى بمصر: الخيار، والعجور، والفقوس، والواحدة قثاءة ) وَفُومِهَا ( فومها: الفوم: القمح، أو جميع الحبوب التي تخبز، أو الثوم ( بضم الثاء وفتحها ) كما قرأ ابن مسعود: ” وثومها” بضم الثاء، وقد أبدلت ثاؤه فاء في قراءة غيره، وذلك كثير، تقول العرب: الجدث، والجدف: للقبر، والمغاثير، والمغافير: لنوع من الصمغ، والأثاثي، والأثافي للحجارة التي توضع تحت القدر وتفسير ” الفوم” بالثوم أنسب وأوفق بالبصل والعدس، وقد اختاره الفراء، وعلل بأنه ذكر مع ما يشاكله ) وَعَدَسِهَا ( عدسها: العدس: من الحبوب المعروفة بمصر، وكان طعامًا محبوبًا لبني إسرائيل وأنبيائهم ) وَبَصَلِهَا ( البصل: معروف بمصر وغيرها ) قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ( أتستبدلون الطعام الذي هو أدنى وأقل قيمة بالمن والسلوى الذي هو خير وألذ، فالباء في قوله: ( بالذي هو خير ) داخلة على الذي يريدون تركه، وهو المن والسلوى، والقائل: ” أتستبدلون…” هو موسى عليه السلام، قاله متعجبًا من طلبهم ) اهْبِطُواْ ( اهبطوا مصرا: المراد من الهبوط: مجرد الانتقال، فإنه كما يقصد به: النزول من أعلى إلى أسفل، يقصد به أيضًا مجرد الانتقال من مكان إلى آخر، كما مر في تفسير قوله تعالى: ” وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو” من الآية 36، وارجع إلى هامش 2 ص 6 من العدد 5 من المجلد السادس جمادى الأولى 1398 هـ ويجوز أن يراعي المعنى الأصلي: وهو النزول من أعلى إلى أسفل، بأن يكون التيه أعلى مكانًا من المصر، وهو نزول حسي، أو أن يراعي نزولهم من أعلى إلى أدنى في الرتبة، تبعًا لطلبهم الأدنى من الطعام بدل أرقاه وأعلاه، وهو نزول معنوي، قيل: وهذا هو الأنسب بالمقام ) مِصْرًا ( مصرًا من الأمصار، وقد مضى شرحه، وليس المقصود به مصر فرعون، إذ لم يصرح أحد من المفسرين والمؤرخين أنهم هبطوا من التيه إلى مصر،


