التوحيد
المجلد السابع
العدد 1
محرم 1399 هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
باب التفسير: يقدمه عنتر أحمد حشاد
– سورة البقرة
{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ. فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ. وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ}.
لا تزال الآيات تذكر بني إسرائيل بنعم الله تعالى عليهم، وبموقفهم من هذه النعم: موقف التكذيب والجحود، والكفر والكنود (أي الجحود)، تذكرهم بتمكين اللَّه تعالى إياهم من دخول القرية، والتمتع بخيراتها، وتأمرهم بشكر اللَّه على نعمته، وتقديرهم لفضله ورحمته، واعترافهم بذنوبهم، والتوبة إلى ربهم، ولكنهم مع هذا كله يستمرئون العصيان، وينغمسون في الطغيان، فينزل عليهم العذاب {رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ}.
وهكذا نجد سنة اللَّه فيمن يكفر بنعمه فلا يستمع لواجب الشكر، ولا يقوم بحق العبودية، وينزل في أفعاله وسلوكه على حكم الشهوة والهوى، وأن لله في كل نعمة حقًا فمن أداه زاده من نعمه، ومن قصر عنه فقد خاطر بزوال نعمته.
تم تستمر الآيات تذكرهم بهذه النعم فضلا ورحمة، وتذكرهم كذلك- بالنقم- عظة وتأديبا في صحراء التيه، وانقطع عنهم الماء، فطلب لهم موسى السقيا من ربه، فيأمره أن يضرب الحجر بعصاه، فتتفجر منه عيون الماء، فيأكلون ويشربون، ويأخذ اللَّه عليهم العهد بألا يفسدوا في الأرض: {كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ}.
تمكين بني إسرائيل من دخول القرية، والتمتع بخيراتها، وجحودهم هذه النعمة:
{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ. فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ}.
معاني الكلمات:
1- (القرية: المدينة من قريت بمعنى جمعت، يقال: قرى الماء في الحوض إذا جمعه، وسميت بذلك لأنها تجمع الناس، وقيل: القرية: مسكن القلة من الناس، والمدينة: مسكن الكثرة منهم، وهذه القرية على المشهور هي بيت المقدس، أو أريحا، ولكنا لم نجد دليلا يؤيد هذا القول المشهور، وفي تفسير القرآن ( باللغة الاردية ) للعلامة أبي الأعلى المودودي قال ما نصه: ” لم تحدد هذه القرية ولا موقعها. ولأن هذه الواقعة حدثت حين كان بنو إسرائيل يتيهون في سيناء وشمال الجزيرة العربية- فهناك احتمال كبير أن تكون هذه القرية واحدة من قرى هذه المنطقة آنذاك. كما أن هناك احتمالا أن تكون هي قرية شطيم Shittim على نهر الأردن في مقابل مدينة جيرتشوه Jericho ولقد فتح بنو إسرائيل هذه المدينة على حسب ما جاء في التوراة، سفر العدد، الإصحاح 25- خلال السنوات الأخيرة من حياة موسى عليه السلام، ثم اقترفوا فيها الفواحش والزنا، وغرقوا في لجج الملذات الحسية، وأنزل اللَّه بهم عقابا شديدا في صورة وباء فتك بأربعة وعشرين ألفا منهم” أهـ. بتصرف، ومما لحظته في الترجمة العربية بعنوان تفهيم القرآن الجزء الأول ص 74 تعريب الأستاذ أحمد إدريس أن قرية شطيم على الضفة الغربية لنهر الأردن، وفي الترجمة الانجليزية بعنوان The meaning of the Quran الجزء الأول ص 81 أنها على الضفة الشرقية، إذ جاء ما نصه: Shittim on the eastern bank of the Gordan
2- حيث شئتم: من أي مكان شئتم.
3- رغدا: أكلا واسعا هنيئا، لا عناء فيه، كما مر ص 4 من عدد جمادى الأولى 1398 هـ.
4- سجدا: خضعا متواضعين خاشعين، شأن التائب من ذنبه، كما مر في ص 3 من عدد جمادى الأولى 1398 هـ.
5- حطة: من الحط بمعنى الوضع والإنزال، والمعنى: سؤالنا يارب أن تحط عنا ذنوبنا،وتضع عنا أوزارنا.
6- خطايا: جمع خطيئة، مثل خطيئات من آية 161 من سورة الأعراف، أو جمع خطية، بتشديد الياء بغير همزة، خلافا لما جاء في ص 302 جـ 1 من تفسير ابن جرير، إذ قصرها على جمع خطية، فقال: والخطايا: جمع خطية- بغير همزة، كالمطايا جمع مطية.
7- وسنزيد المحسنين على إحسانهم ثوابا فوق غفران خطاياهم.
8- إذ قالوا: ” حنطة” تحريفا لكلمة ” حطة” كما هو شأنهم في تحريف الكلم


