مجلة التوحيد
المجلد الخامس
العدد 12
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
باب التفسير
يقدمه: عنتر أحمد حشاد
2- سورة البقرة
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ . وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ . وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا إلاَّنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
في هذه الآيات الخمس من آخر الربع الأول في سورة البقرة تسمع نداء قويًا موجهًا إلى العالم كله، وإلى الناس كافة بثلاثة مطالب:
1- عبادة اللَّه وحده، وعدم الإشراك به.
2- الإيمان بكتابه الذي نزله على عبده محمد صلى الله عليه وسلم .
3- اتقاء أليم عذابه، وابتغاء جزيل ثوابه.
وهذه المطالب الثلاثة هي الأركان الثلاثة للعقيدة الإسلامية.
فرسالة الإنسان في هذه الأرض أن يعبد اللَّه الذي خلقه فسواه، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إِلاَ لِيَعْبُدُونِ . مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ . إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 56- 58].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}.
والعبادة في الإسلام- وهي طاعة اللَّه طاعة مصحوبة بأقصى الخضوع، والتذلل القلبي، الممزوج بغاية الحب النفسي ( ص 37 من تفسير القرآن الكريم للشيخ محمود شلتوت رحمه اللَّه، ص 49 من كتاب ( العبادة في الإسلام ) للدكتور يوسف القرضاوي )- تشمل الدين كله، والحياة كلها.
لقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه اللَّه- عن قول اللَّه عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ}: ما العبادة؟ وما فروعها؟ وهل مجموع الدين داخل فيها أم لا؟ فأجاب- رحمه اللَّه- عن ذلك إجابة مبسوطة مفصلة تضمنتها رسالته المعروفة باسم ( العبودية ) وقد بدأها بقوله:
( العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه اللَّه ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث وأداء الأمانة، وبر الوالدين وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة ).
( وكذلك حب اللَّه ورسوله، وخشية اللَّه والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله ) ا. هـ.
وقد بسطت القول في هذا الركن الأول من أركان العقيدة الإسلامية، وفي تفسير هاتين الآيتين الكريمتين: الحادية والعشرين، والثانية والعشرين من سورة البقرة في العدد السابق من المجلة.
الركن الثاني من أركان العقيدة الإسلامية: الإيمان بالقرآن:
لقد كان اليهود يشككون في صحة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وفي أن القرآن كلام اللَّه، وكان المنافقون يرتابون- كما ارتاب المشركون وشككوا في مكة وغيرها- فتحدى القرآن الجميع، إذ كان الخطاب إلى الناس كافة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} تحداهم بتجربة واقعية تفصل في الأمر بلا مُمَاحلة:
{وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.
ويبدأ هذا التحدي بلفتة لها قيمتها في هذا المجال- يصف الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبودية لله: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا}.
ولوصف الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبودية في هذا الموضع دلالات منوع


