التفسير
عرض وتفسير
عنتر أحمد حشاد
الموجه العام بوزارة التعليم والمعار بكليتي التربية للمعلمين والمعلمات
الدوحة- قطر
2- سورة البقرة
– 16-
( د ) التفسير
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ ( الرسم العثماني بألف واحدة ( ءأنذرتهم ) وكذا جميع ما جاء من كل استفهام فيه ألفان أو ثلاثة بألف واحد، كراهة اجتماع سورتين متفقتين نحو ( ءأنت قلت للناس ) ( ءءالهتنا خير أم هو ) ( ءأمنتم ). أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ. خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ}.
هاتان الآيتان في شأن الفريق الثاني من الفرق الثلاث التي انقسم إليها الناس بإزاء الاهتداء بالقرآن. وهذا الفريق الثاني- فريق الكافرين- مقابل للفريق الأول- فريق المتقين- الذي بين اللَّه أوصافه وجزاءه في الآيات الأربع السابقة ( من الآية الثانية إلى الآية الخامسة ).
فالفريق الأول هداهم ربهم بالقرآن، فاتخذوه نورًا لهم وإمامًا، بسبب ما توافر فيهم من وسائل الاهتداء، إذ أنهم آمنوا بالغيب، واتجهوا إلى اللَّه بعبادته- أقاموا الصلاة، وأنفقوا مما رزقهم اللَّه- وآمنوا بما أنزل إلى محمد، وبما أنزل إلى الرسل من قبله، وأيقنوا بالآخرة، فكانوا هم المفلحين.
وأما هذا الفريق الثاني فقد كفروا، وأصروا على كفرهم، فاستوى عندهم إنذارهم بسوء عاقبتهم وعدم إنذارهم، ولهذا سدت في وجوههم سبل الاهتداء فلم يؤمنوا بما آمن به المتقون، ولم يهتدوا بالقرآن كما اهتدى المتقون.
وأصل معنى الكفر ( بضم الكاف وفتحها ) في لغة العرب: الإخفاء والتغطية والستر. يقول العرب: ( الليل كافر ) أي ساتر لكل شيء بظلمته، ويصف شاعرهم ليلة بقوله: ( في ليلة كفر النجومَ غمامُها ( بفتح ميم- النجوم- وضم ميم- غمام- ). ويطلق على عدم شكر النعمة، لأن من لم يشكر النعمة فقد أخفاها وسترها، وتقصير المرأة في حق زوجها كفر العشير ( كما جاء في حديث ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت: يا رسول اللَّه، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكنى أكره الكفر في الإسلام…. الحديث من ص 74 من صفوة صحيح البخاري شرح الشيخ عبد الجليل عيسى أبو النضر، الطبعة الرابعة 1367هـ- 1948م، مطبعة مصر، القاهرة ).
ويطلق على عدم الإيمان باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، لأن من لم يصدق بهذا كله أو ببعضه فقد أخفى الحق وستره، وهذا المعنى الأخير هو المراد- شرعًا ( أما قوله تعالى {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} [الحديد: 20]، فمعنى الكفار فيها، الزراع وقد سمى الزارع كافرًا لأنه يغطي البذر بالتراب، وجمع الكافر: كفار، وكفرة، أما ( الكوافر ) فإنها جمع ( كافرة ) للمؤنث، ومنه قوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ}، إذ أن المذكر العاقل لا يجمع على ( فواعل ) إلا ما شذ وندر )- من لفظ الكفر في القرآن والسنة، وفي كل استعمال شرعي.
والإنذار: الإعلام بالشيء مقترنًا بالتحذير من سوء عاقبة مخالفته مع اتساع الزمن للمخبر ( بفتح الباء ) أن يحترز، فإن أخبر بحيث لا سعة من الزمن للاحتراز- سمى الإخبار إشعارًا لا إنذارًا.
والمراد- في هذه الآية- بالذين كفروا: الذين أصروا على كفرهم، ورسخ الكفر في قلوبهم، ممن علم اللَّه أنهم يموتون على الكفر، كأبي جهل، وأبي لهب، والوليد بن المغيرة، وغيرهم إلى أن تقوم الساعة، بدليل إخبار اللَّه عنهم بأنهم سواء عليهم إنذارهم وعدم إنذارهم في أنهم لا يؤمنون، ولا يعدلون عن إصرارهم على كفرهم ( ونظير ذلك ما جاء في قوم نوح قوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [هود: 36] ).
وفي هاتين الآيتين للرسول صلى الله عليه وسلم ولكل داع إلى الحق، فالقرآن الكريم- في ذاته- هدى ونور، ولا يقدح فيه ألا يهتدي به مُصِر على كفره، كما لا يقدح في نور الشمس ألا يهتدي به العمي أو المتعامون، وهل يغض من مهارة الطبيب أن يعرض المريض عن تناول الدواء فيموت بجهله؟ وهل يقدح في البذر الطيب ألا ينبت في أرض سبخة، فاللَّه سبحانه بين لرسوله صلى الله عليه وسلم ولأمته أن القرآن هدى، ولكن للمستأهلين للاهتداء، وهم المتقون الذين ذكرت أوصافهم. أما الجاحدون المصرون على كفرهم وجحودهم فهم غير مستعدين للاهتداء، ولا يجدون في القرآن هدى لهم، لم يرفعوا للقرآن رأسًا، بل نكسوا على رءوسهم، ولم يفتحوا له أذنًا ولا عينًا، بل خروا عليه صمًا وعميًا {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 44].
هؤلاء المصر


