التفسير
2- سورة البقرة
عرض وتفسير
– 14-
للأستاذ عنتر أحمد حشاد
الموجه العام بوزارة التعليم
والمعار لكليتي التربية للمعلمين
والمعلمات بالدوحة- قطر
د- التفسير:
{ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ . والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ . أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
القرآن الكريم
{ ذَلِكَ الْكِتَابُ}
المراد بالكتاب القرآن الكريم ( بوصفه مكتوبًا سمى- الكتاب- وبوصفه مقروءًا سمى القرآن وقد جاء الاسمان في أول سورة يوسف في الآيتين الأولى والثانية، وله كثير من الأسماء لمعان أخر، مرت بك في الأعداد 2، 3، 4، 5 المجلد 3 من هذه المجلة للدكتور محمد جميل غازي )، والمشار إليه بقوله: {ذلِكَ} هو ما أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم من الآيات والسور في مكة وفي المدينة قبل نزول أول هذه السورة، وما ينزل عليه بعدها، فالمراد: ذلك الذي أنزل عليك من قبل، وينزل عليك من بعد هو القرآن، فلعدم حضوره كله وقت نزول هذه الآيات أشير إليه باسم إشارة البعيد {ذلِكَ}.
أحقيته
{لاَ رَيْبَ فِيهِ} ( النكرة في سياق النفي تعم، فالمعنى: ليس فيه أي ريب من أية ناحية من نواحيه، والوقوف على ( فيه ) أرجح من الوقوف على: ( لا ريب ) بدليل ما جاء في فاتحة سورة السجدة: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} إذ لا يجوز الوقف هنا على: ( لا ريب ) والمعنى لا يحتمله. خلافًا لما جاء في تفسير القرآن الكريم للأستاذ محمود حمزة وزميليه، وفي كتاب The Holy Qoran للأستاذ عبد اللَّه يوسف على مما يفهم منه أن الوقف على: لا ريب )، فالمعنى: ليس في القرآن ريب من أية ناحية: لا من ناحية أنه من عند اللَّه، ولا من ناحية أنه معجز، ولا من ناحية صدق مبادئه، وعدالة تشريعه، وسلامة عقائده، ولا من ناحية أنه هدى للمتقين، ولا من غير هذا من مختلف نواحيه.
هدايته للمتقين
{هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}
الهدى والهداية يطلق كل منهما على مطلق الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب خيرًا كان أو شرًا، ومنه قوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10] ( والمعنى: بينا للإنسان طريقي الخير والشر )، {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17] ( والمعنى: بينا لثمود قوم صالح طريق الهدى فاستحبوا العمى، واختاروا الكفر على الهدى والإيمان )، والهدى بهذا المعنى المطلق وصف القرآن لجميع الناس، المتقين منهم وغير المتقين، كما جاء في قوله سبحانه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ} [البقرة: 185]، وكما يكون الهدى بهذا المعنى من اللَّه سبحانه- يكون من غيره: الأنبياء والمرشدين، كما يشير إلى ذلك قوله سبحانه في خطابه للرسول صلى الله عليه وسلم : {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشوري: 52]، وفي حديثه عن الصابرين الموقنين بآياته: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24].
ويطلق كل من الهدى والهداية أيضًا على الدلالة على الخير في المعونة والتوفيق والأخذ باليد للوصول إليه. والهدى بهذا المعنى وصف القرآن للمتقين خاصة. والمعنى: هذا القرآن فيه هدى ودلالة على الخير مع معونة اللَّه وتوفيقه للمتقين خاصة للوصول إليه، فهم لما وصفوا به من الصفات التي دلت على سلامة فطرتهم، وكمال استعدادهم للخير- هداهم اللَّه بالقرآن، أى دلهم به على الخير ولم يتركهم لأنفسهم يصلون أو لا يصلون، بل دلهم وأعانهم وأخذ بيدهم للوصول، فالذين اتقوا أعانهم اللَّه ووصلهم إلى الخير، والذين زاغوا أزاغ اللَّه قلوبهم.
والهدى والهداية بهذا المعنى الأخير لا يكونان إلا من اللَّه- عز وجل- وحده، كما جاء في قوله سبحانه مخاطبًا رسوله صلى الله عليه وسلم : {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء} [القصص: 56] ( راجع ما كتبته بالتفصيل في معنى الهدى عند تفسير قوله سبحانه {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [الفاتحة: 6] في العدد 6 المجلد 2 من هذه المجلة ).
المتقون وأوصافهم وجزاؤهم
المتقون: وهم الفريق الأول من الفرق الثلاث التي افترق إليها الناس بإزاء الاهتداء بالقرآن، وهم الذين يقون أنفسهم عذاب اللَّه وسخطه في الدنيا والآخرة، وذلك بالوقوف عند حدوده وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وهذه الآيات الأربع تحدثنا عنهم، وتصفهم بصفات خمس هي أمهات الفضائل، ودلائل الفطرة السليمة، وأسباب الاهتداء، وهذه الصفات الخمس: هي إيمانهم بالغيب، وإ


