الخميس 16 رمضان 1447 5-3-2026

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الخميس 16 رمضان 1447 5-3-2026

البنوك والاستثمار (3)

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

البنوك والاستثمار*
بقلم الأستاذ الدكتور على السالوس
(3)
الفصل الثانى
أقوال العلماء فى ربا الجاهلية
وكل ما نقله الكاتب تحت هذا العنوان بدءا بالطبرى ، وانتهاءً بالنووى ، يتصل بالربا أضعافا مضاعفة ، باستثناء نقل واحد فقط ، وهو عن ( الجصاص ) فهؤلاء الأئمة يتحدثون عن قوله تعالى ” يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ” .
فقد نقل عن الطبرى هنا قوله :
” وكان أكلهم ذلك فى جاهليتهم : أن الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى أجل ، فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه ، فيقول له الذى عليه المال : أخر عنى دينك وأزيدك على مالك ، فيفعلان ذلك ، فذلك هو الربا أضعافا مضاعفة ” .
كما نقل قول القرطبى – عن مجاهد – قال : ” كانوا يبيعون البيع إلى أجل ، فإذا حل الأجل زادوا فى الثمن على أن يؤخروا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ” يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ” .
وقول مجاهد هنا يفسر لنا منشأ الدين ، فهو ثمن لبيع آجل ، وليس قرضا حسنا كما ذكر بعض الكاتبين ، وسيأتى بيان قروض الجاهلية وأقوال الأئمة التى نقلت فى تحريم الربا أضعافا مضاعفة لا تعنى أنهم يحلون الربا فى غير هذه الحالة ، لأن التقييد بقوله تعالى “أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ” ليس المقصود منه النهى عن أكل الربا فى حال المضاعفة خاصة ، وإباحته فى غيرها ، فالربا قليله وكثيره حرام … إلخ “.
ونترك النقول الكثيرة التى تتحدث عن الربا أضعافا مضاعفة ، ونأتى إلى ما نقل عن الجصاص حيث قال : والربا الذى كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض ، على ما يتراضون به .
ويضاف إلى هذا أيضا قول الجصاص فى أحكام القرآن (467/1):
” معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة ، فكانت الزيادة بدلا من الأجل ، فأبطله الله تعالى وحرمه “.
وكلام الجصاص يبين صورة غير الصورة المذكورة من قبل : فالربا هنا فى عقد قرض ، والزيادة المشروطة متفق عليها من بداية العقد ، وليس بعد حلول الأجل ، وهى بالتراضى بين المتعاقدين . وكلمات ” تعرفه وتفعله ” و ” معلوم ” مع قوله ” إنما … ” التى تفيد الحصر ، يبين أن هذا هو ربا الجاهلية الشائع المنتشر ، وهذا أمر يدركه من يدرس البيئة الاقتصادية عند العرب ، فقد كان ( القرض الربوى ) طريقا من طرق الاستثمار عندهم ، إلى جانب ( المضاربة ).
ويوضح هذا أيضا ما جاء فى تفسير الطبرى عند قوله تعالى : (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ، حيث روى عن السدى قال : ” نزلت هذه الآية فى العباس بن عبد المطلب ، ورجل من بنى المغيرة كانا شريكين فى الجاهلية يسلفان فى الربا إلى أناس من ثقيف “.
فهذه شركة اتخذت من السلف فى الربا طريقا للاستثمار ، كالبنوك الربوية فى عصرنا ، ومعلوم أن العباس كان يستثمر أيضا عن طريق المضاربة.
ولكن لماذا حصر الجصاص ربا الجاهلية فى هذه الصورة ، ولم يذكر مثلا رواية مجاهد فى سبب نزول قوله تعالى : ” يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً “.
يبدو لى – والله سبحانه أعلم – أن السبب هو أن العقد بدأ بيعا آجلا ، فليس فيه ربا ، وإنما طرأ الربا على عقد البيع عند حلول الأجل ، فلم يكن الاتفاق والتراضى على الربا من بداية العقد ، وإنما الأصل أن يبدأ العقد بتسليم المبيع وينتهى بتسليم الثمن فى موعده دون ربا ، أما الزيادة المشروطة فى القروض فالاتفاق عليها من بداية التعاقد .
ويمكن أن يضاف إلى أقوال العلماء فى ربا الجاهلية قول الفخر الرازى – فى تفسيره (4/92):
” ربا النسيئة هو الأمر الذى كان مشهورا متعارفا عليه فى الجاهلية ، وذلك أنهم كانو يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا ، ويكون رأس المال باقيا ثم إذا حل الدين طالبوا المديون برأس المال … فإذا تعذر عليه الأداء زادوا فى الحق والأجل . فهذا هو الربا الذى كانوا فى الجاهلية يتعاملون به ” .
ومثله قول ابن حجر الهيثمى ، وهو يبين أن الفوائد الربوية تقسط أقساطا شهرية ، والاتفاق عليها من بداية العقد ، وعند حلول الأجل قد يزاد على الدين مثلما رأينا فى الدين الناشئ عن البيع الآجل.
ونلاحظ أن كثيرا من البنوك الربوية تلجأ إلى مثل هذا التقسيط ، وذلك فيما يسمى ( بالودائع ذات الراتب الشهرى ) أو ( ذات العائد الشهرى ) ، فنسبة الفوائد الربوية السنوية تقسمها على الأشهر ، وتدفع هذه الزيادة كل شهر ، ورأس المال باق بحالة .
وبهذا يتم استيفاء صور الربا الجاهلى ، وتكون أقوال العلماء المذكورة كافية ، بل ، ويكون ما يجرى الآن من تعامل سيق بيان حكمه ، وأنه داخل فى الربا المحرم ليس صورا مستحدثة كما يذهب البعض .
شبهة لا م

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا