الاستعاذة وفوائدها
بقلم:
علي حفني إبراهيم
-3-
وفي الصحيحين من حديث صفية بنت حيي زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم). وقال أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس: اعلم أن الآدمي لما خلقه الله ركب فيه الهوى والشهوة ليجتلب بذلك ما ينفعه ووضع فيه الغضب ليدفع به ما يؤذيه وأعطى العقل كالمؤدب يأمره بالعدل فيما يجتلب ويجتنب وخلق الشيطان محرضاً له على الإسراف في اجتنابه واختلابه. فالواجب على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدو الذي قد بانت عداوته من زمن آدم عليه الصلاة والسلام.
وأقول أن الله سبحانه الحكيم العليم لما خلق الإنسان وجعله خليفة في الأرض اقتضت حكمته سبحانه أن يضع في الإنسان ما اتفق على تسميته بالغرائز مثل غريزة الخوف والطمع والرجاء والحب والبغض وغريزة الشهوة والغضب…الخ وذلك لكي تصلح به الحياة ويصلح هو بالحياة وإنما يأتيه الشيطان من ناحية هذه الغرائز ويستميله إلى مخالفة أمر الله سبحانه وبوقعه في معصية الله مثل غريزة الطمع لكي يعمر الإنسان ما حوله طمعاً في الزيادة. ومثل غريزة الشهوة بغية أن ينجب الذرية، وغريزة الغضب لتثور حميته فيحفظ حقوقه ويصونها، وهكذا بقية الغرائز. غير أن الشيطان الرجيم ينسيه حق الله عليه وينسيه أن الله وراء سعيه يكتب عنه أفعاله. ومهمة الدين هنا أن يوضح له طريق العدل في الأمور كلها، ويقف بالإنسان على حدود الله ويوجهه إلى الانتفاع بما وضع الله فيه من تلك الغرائز، ويضعها في موضعها فتعود عليه بالنفع ليصبح عضواً صالحاً في المجتمع الإنساني. وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم. فإذا ذكر الله خنس وإذا نسى الله التقم قلبه) والخطم للطير منقاره وللحيوان فمه، وفي الحديث أيضاً (إن للشيطان لمة بابن آدم، وللمك لمة. فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق. فمن وجد من ذلك شيئاً فليعلم أنه من الله فليحمد الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان. ثم قرأ ( الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ) الآية 268 البقرة.
وأقول أيضاً أن طرق الشيطان المتعددة يمكن حصرها في طريقين. وقد سماهما ابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان) بمرضين: مرض الشهوة ومرض الشبهة. قال: والقلب السليم الذي قال الله سبحانه فيه (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ*إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) الشعراء 88،89 قال هو السليم من هذين المرضين. ومرض الشهوة مركزه الغرائز التي يتسلط عليه الشيطان من قبلها (بكسر القاف وفتح الباء) فيؤزه إلى المعصية أزاً فينغمس في شهواته فيقدم رغبات نفسه على أوامر الله التي فيها سعادته وعزته وفلاحه. فكم ترى من صالح انقلب إلى طالح، وكم من طائع لله ترك طاعة الله وترك الصلاة واتبع الشهوات، وكم من منفق ماله من زكاة وصدقات بخل بماله على فعل الخيرات. وإنما يدفع الإنسان عن نفسه هذا البلاء حينما يذكر الله وثوابه وعقابه ويذكر نعيم الجنة وعذاب الحجيم. يذكر حساب الله الذي سوف يوقفه بين يديه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان. ويالها من مواقف لا طاقة للإنسان بها إلا بعون من الله. ولا يمكن الحصول على عون الله إلا بتقوى الله والعمل على مرضاته، والجهاد في سبيل دينه، وأن يطوع الإنسان نفسه لربه فيقيم لله الوقار عن علم وبصيرة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فيمده الله بعونه وقوته، فيتغلب على شيطانه ويغلق دونه بابه، ويحس بمدى عداوة الشيطان وأنها لا عداوة بعدها. فكلما أحس بميول إلى معصية أو ترك طاعة علم أن ذلك من عدوه الشيطان فيلجأ إلى الله مخلصاً طالباً منه سبحانه العون على عدوه، فإذا به يتخذ من الغفلة سبيلاً إلى اليقظة فلا يستطيع أن يقرب منه. قال الله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ) الأعراف 201.
وأما مرض الشبهة فهو أثر الجهل والبعد عن آيات الله في كتابه وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، والبعد عن آيات الله في الأنفس وفي الآفاق. فإنه بذلك يفتح على نفسه باب الشيطان ويسمح له بالدخول إلى قلبه وعقله ووجدانه فإن الشيطان أكثر ما يتواجد عند الجهلاء بالعلم الذي ارتضاه الله لعباده وجعله حياة قلوبهم. قال تعالى ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ) الآية 52 سورة الشورى. والروح مركز الحياة وعدم وجودها معناه الموت. قال تعالى ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِن


