الأثنين 21 شعبان 1447 9-2-2026

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الأثنين 21 شعبان 1447 9-2-2026

الإسلام دين ودنيا

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

الإسلام دين ودنيا
بقلم الأستاذ الدكتور إبراهيم هلال

يشيع في الناس اعتقاد خاطئ أن الأعمال الدنيوية المباحة تخرج الإنسان عن العمل للدين أو تلهيه عن العمل له، أو علي الأقل تصوره فى نظر الناس بأنه رجل دنيا ولا يعمل لدينه. وقد يظن الإنسان ذلك فى نفسه . ولكن المسلم الحق ، حينما ينظر إلى العمل الذى يعمله على أنه عمل يقرب إلى الله بناء على ما يعرف من أمور الدين ودلائله فإنه يكون بذلك فى لب الدين . وجوهره سواء كان ذلك العمل دنيويا فى الظاهر ، أو دينيا فى الواقع والحقيقة .
فالذى يخرج لتحصيل رزقه ، والسعى على أهله وأسرته ، يأخذ بذلك أساسا ثوابا ، ويعتبر هذا العمل عند الله من الأعمال الدينية ، والتى تقرب إليه ، وتدخل الإنسان فى طاعته . وقد يتضاعف هذا الثواب أضعافا مضاعفة ، إذا قصد الإنسان بذلك وجه الله ، وأنه بذلك ينفذ أمر الله وما أوجبه عليه من سعى على نفسه ، وصيانتها عن الاحتياج إلى الغير ، أو سعى على والديه أو زوجته وأولاده . أو من أجل تعمير الكون ونفع الناس وتقديم خدمات لهم . فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : (خير الناس أنفعهم للناس) ، ويقول الله سبحانه وتعالى : ” هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ” فحين يقصد بعمله الخاص فى نظر الناس تلبية دعوة الله تعالى هذه ، فإن كل أعماله ، ومقدماتها تكون كلها دينيات ، وإن كانت فى نظر الناس دنيويات .
كذلك من بيان الله سبحانه لنا فى هذا المجال قوله : (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض ، وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا) فحين يضع المسلم ذلك فى ذهنه ، وأنه بذلك ينفذ أمر الله ، فإنه بذلك ينال أعلى الدرجات ، سواء اتجه بعد الصلاة إلى متجره أو مصنعه أو زراعته ، لأن ذلك كله ابتغاء من فضل الله ، وتقرب إليه لأنه تنفيذ لأمره ، وهنا نرانا فى عبادة دائمة : خرجنا من عبادة وهى الصلاة إلى عبادة وهى العمل وقد يكون هذا العمل السلمى الموجه إلى رضاء الله سبحانه ونفع النفس والأمة ، يعدل الجهاد فى سبيل الله فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه متجهين إلى غزوة من الغزوات وحطوا فى مكان للاستراحة فخرج عليهم شاب جلد قوى ومعه آلات الاحتطاب . وسلم عليهم ونزل إلى الجبل يحتطب فقال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (لو كان هذا شبابه وجلده فى سبيل الله !!) يتمنون أن يكون أحد الخارجين معهم للجهاد فى سبيل الله . فرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : ( إن كان قد خرج يسعى على نفسه يعفها عن سؤال الناس فهو فى سبيل الله ، وإن كان قد خرج يسعى على زوجته فهو فى سبيل الله ، وإن كان قد خرج يسعى على والدين كبيرين فهو فى سبيل الله . وإن كان قد خرج يسعى على أولاد صغار فهو فى سبيل الله ) . وهكذا جعل له صلى الله عليه وسلم أجر المجاهد فى سبيل الله ، لأن الأمرين يلتقيان كلاهما فى سبيل نفع الأمة ، والدفاع عنها ، وإدامة خيرها .
كذلك من ناحية أخرى ، إذا تدبرنا أعمال العبادات المفروضة والمسنونة من صلاة وصوم وزكاة وحج وعمرة ، وجدنا فى كل منها نفعا دنيويا إلى جانب ما فيها من عبادة دينية . وهذا النفع الدنيوى يكون للفرد نفسه ، وللأمة كلها على ما هو مفصل فى مواضع ذلك ، فالصلاة نظافة وطهرة ونظام وحركة مفيدة للجسم إلى جانب ما فيها من سمو روحى ، وإعلان الخضوع والتسليم لله : ” إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ” ؛ والزكاة كذلك طهرة نفسية وضرب للمثل على أن الماديات والرغبات الخاصة التى قد تلتوى بالإنسان عن الصراط المستقيم لن تؤثر على هذا المسلم ، وسيكون هو وماله فى سبيل الله ، وفى سبيل النفع العام وهذا الصيام ، والحج .
ولا أكون مغاليا إذا قلت : إن العائد النهائى على الأمة من أداء هذه العبادات ، هو تكوين دنيا عزيزة وقوة غالبة وسياسة ناجحة ، إذا أديت هذه العبادات بالمفهوم الدينى ، والدنيوى لها . وبهذا فقد شرع الإسلام للمسلم أن يعين دينه بدنياه ، وأن يستعين بدينه على إقامة دنياه . والله الموفق
أ . د . إبراهيم هلال

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا