الخميس 26 رجب 1447 15-1-2026

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الخميس 26 رجب 1447 15-1-2026

الإسلام دين عقل وعلم (3)

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

ثالثا – الإسلام.. دين عـقل وعـلم
للأستاذ عبد الكريم الخطيب
– 1-
لا نجد دعوة من الدعوات السماوية، أو الإنسانية دعت إلى العلم، ورفعت قدره وقدر أهله، وأغرت بطلبه، وكشفت عن الثمرات العاجلة والآجلة التى يجنيها الناس من العلم، أفراداً أو جماعات، كما دعت إلى ذلك الشريعة الإسلامية، فرضاً ووجوباً وندباً..
وإذا كنا قد أشرنا من قبل إلى ما يوجبه العقل، وتفرضه الحياة على الإنسان من طلب العلم، والتزود بزاد المعرفة منه، فإنا نكتفى هنا، بما ورد على لسان الشرع من نصوص في هذا المقام، حتى نرى المطابقة التامة بين ما يقضى به العقل، وما يدعو إليه الشرع، الأمر الذى من شأنه أن يجعل العقل والشرع يلتقيان على سواء، التقاء العين بالنور، حتى تتحقق الرؤية من العين للمرئيات.. وأنه كما لا قيمة للعين من غير ضوء، ولا حاجة إلى الضوء من غير عين، كذلك لا قيمة للعقل بغير علم، ولا أثر للعلم بدون عقل..
ففي القرآن الكريم، نجد أن أول ما استفتح به الكتاب الكريم، وبدئت به رسالة الإسلام، قوله تعالى {اقرأ باسم ربك الذى خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذى علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم} ( سورة العلق: 1-5).
فهذه دعوة من الله تعالى إلى ” محمد” الأمى، الذى اصطفاه ربه، ليكون المبعوث إلى الناس بالهدى ودين الحق.. ومحامل هذه الدعوة إلى هذا ” الأمى” هى أن يقرأ، والقراءة لا تكون إلا من كتاب، والكتاب لا يقرأ ما فيه إلا من تعلم الكتابة، والقراءة..
و ” محمد” لم يكن كاتباً ولا قارئاً، وإن كان أعلم الكاتبين والقارئين من أبناء آدم، فقد قرأ صحف الوجود، ورأى فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.. وإنما لم يكن – صلوات الله وسلامه عليه – قارئاً بالمعنى المعروف عند من يقرءون ويكتبون، ولهذا كان رده – صلى الله عليه وسلم – على رسول الوحى ” جبريل” عليه السلام، قوله: ما أنا بقارئ.. وقد تكرر هذا مرات.. يقول له جبريل: ” اقرأ” وهو يقول: ” ما أنا بقارئ” أى أنا لا أعرف القراءة المفهومة للناس.. وهنا يقول له جبريل: اقرأ باسم ربك الذى خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذى علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم.. فإذا كان الله تعالى قد علم الإنسان وهداه إلى أن يهتدى إلى الكتابة بالقلم، وإلى القراءة لما يخطه القلم، فإنه سبحانه، علم الإنسان ما لم يعلم، فضلا منه ورحمة، بما يقذف في قلوب المصـطفين من عباده من العلم، كما يقول سبـحانه للنبى الكريم: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة، وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيماً ). ( سورة النساء: 113).
وإذا كان الله تعالى، قد أفاض على رسوله الكريم ما أفاض من العلم والمعرفة، من غير اكتساب منه، فإن أتباع هذا النبى – صلوات الله وسلامه عليه – مطالبون بأن يكتسبوا العلم، وأن يتخذوا له وسائله المتاحة لهم، بأن يكونوا كاتبين قارئين، وبهذا يخرجون من ظلام الأمية والجهل، إلى نور العلم والمعرفة، حتى يأخذوا طريقهم مع النبى، وحتى يهتدوا بهذا النور المكتسب إلى ما يصافحهم من الأنوار العلوية النبوية، حتى لا تنبهر أبصارهم بهذا النور أو تبرق به.
وفي فضل العلم، ومنزلة أهله عند الله.. يقول سبحانه: ( يرفع الله الذين آمنوا منكم، والذين أوتوا العلم درجات ) ( سورة المجادلة: 11 ). فالإيمان المقترن بالعلم، هو الذى يرفع المؤمن درجات عند الله.. والإيمان وحده بغير علم لا يرفع صاحبه عند الله إلى ما فوق المنزلة الأولى، التى يضع المؤمن عليها قدمه في أول الطريق إلى الله..
وليس للعلم في شريعة الإسلام غاية ينتهى إليها، أو حد ليس وراءه شئ، بل العلم بحر لا حدود له ولا يبلغ أحد مداه، مهما حصل من علم، وفي هذا يقول الله تعالى: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} ( سورة الإسراء: 85). ويقول جل شأنه: {وفوق كل ذى علم عليم} ( سورة يوسف: 76). وبهذا كلما قطع العالم مرحلة على طريق العلم، كان عليه ألا يتوقف عندها، بل يجب أن يجد في السير إلى مراحل بعدها، لا تنتهى أبداً.
أما في السنة المطهرة عن العلم، فإن الرسول – صلى الله عليه وسلم – يقول ” طلب العلم فريضة على كل مسلم”.. ويقول – صلوات الله وسلامه عليه: ” ما من رجل يسلك طريقاً يلتمس فيها علماً إلا سهل الله له طريقاً إلى الجنة، ومن أبطأ به عمله، لم يسرع به حسبه” ( خرجه مسلم، ورواه الأربعة، والحاكم وصححه). وقال صلى الله عليه وسلم: ” مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكانت منها بقعة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها بقعة أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا، وأسقوا، وزرعوا، وكانت منها طائفة لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثنى الله به، فعلم وعمل وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا