بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه
الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر
بقلم : بدوي محمد خير
(15)
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه .
نستعين بالله ونواصل حديثنا عن الكيفية التى نؤدى بها ما كلفنا الله به من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . وقد أوضحنا فى اللقاء السابق كيف يكون تغيير المنكر باليد ومن الذى لهم الحق فى ذلك وهم ولاة الأمور مع عامة المسلمين والرجل فى بيته وسلطانه ، وذكرنا محاذير التأويل الفاسد لاستخدام اليد وكيف أنه يجر إلى منكر أفدح مما هو كائن . فبدلا من أن نهدم قبرا اتخذه الناس إلها يدعونه فيسبب فتنة أشد ، علينا أن نهدم تلك الأضرحة والأنصاب من القلوب . وقضية الألوهية قضية عقلية فإذا ما خوطبت العقول بعجز تلك الألهة التى اتخذها الناس ملاذا لتفريج كربات المكروبين وإغاثة الملهوفين ، واستطاع الدعاة بالدعوة المخلصة المبرأة من الهوى والشطط والغلظة فى القول فإننا سنصل إلى النتيجة المرجوه بإذن الله ، حينئذ ستهمل تلك الأضرحة وينفض عنها الناس فتصبح هملا مهجورا لا قيمة لها . ولنا فى رسول الله أسوة حسنة ، حيث كان صلوات الله وسلامه عليه فى مكة ثلاث عشرة سنة لم تمتد يده لتهدم صنما مما نصب حول الكعبة وبقيت تلك الأوثان إلى أن جاء فتح مكة فى العام الثامن للهجرة وقد خلع الناس من قلوبهم حب تلك الأوثان فكان من اليسير تحطيمها باليد . وماضر المسلمين شىء حين اعتمروا فى العام السابع للهجرة عمرة القضاء فطافوا فى بيت الله الحرام وحول الكعبة أوثان لا حصر لها وسعوا بين الصفا والمروة وعلى الصفا يقبع صنم إساف وعلى المروة يجثم صنم نائلة ، ورفع الله الحرج عن المسلمين بقوله تعالى : ” إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ” البقرة 158 . ولم تمتد يد أحد من المسلمين إلى تلك الأوثان لتهدمها وبقيت على حالها إلى أن جاء فتح مكة بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم فى العام الثامن للهجرة فحطمها صلوات الله وسلامه عليه بنفسه ، حينئذ عاونه المسلمون فى ذلك وقد أصبحت للإسلام دولة وقوة مرهوبة ، ومع ذلك فإن الحكمة لم تفارق جيش المسلمين ولم يستغلوا تلك القوة والغلبة فى الانتقام ممن أخرجوهم من مكة وآذوهم ، ولقد أثمرت الكلمات الطيبات التى خاطب بها الرسول صلى الله عليه وسلم أهل مكة حين قال لهم ” ما تظنون أنى فاعل بكم ؟ ” قالوا أخ كريم وابن أخ كريم فرد عليهم بقوله ” اذهبوا فأنتم الطلقاء ” ودخل الناس فى دين الله أفواجا وأسلم الآلاف من أهل مكة وعفا الرسول صلى الله عليه وسلم عمن آذوه وعمن تآمروا على قتل عمه الحمزة رضوان الله عليه – هند بنت عتبة وعبدها وحشى – بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك ، فحين تهيأ الرسول صلى الله عليه وسلم لقتال الطائف حيث قبيلة ثقيف والتي نالت من الرسول صلى الله عليه وسلم حين ذهب إليهم يدعوهم وسلطوا عليه سفهاءهم وآذوه وناصبوا دعوة الإسلام العداء ، خرج إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه المسلمون الذين شهدوا معه فتح مكة وصحبه كذلك الطلقاء الذين أسلموا يوم الفتح ، وبعد انتهاء المعركة . وجاء دور تقسيم الغنائم ونادى على أبى سفيان زعيم مكة والطلقاء وأجزل له العطاء حتى رضى وفعل مع بقية زعماء قريش مثل ما فعل معه ، فانخرط كل أولئك فى دين الإسلام هم وأتباعهم ، ومنهم من أصبح من كتاب الوحي بعد ذلك ومنهم معاوية بن أبى سفيان ، وكل ذلك من الحكمة التى صاحبت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ولين الحديث مع أعداء الأمس ، وإنا لنلحظ القمة فى سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة وأعلن فى الناس أنه من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ومن دخل داره فهو آمن . وبذلك كفى المسلمين شر القتال وحجب إراقة الدماء فى ساحة المسجد الحرام ، ونالت كلمته من أبى سفيان وتأليف قلب ذلك الزعيم بإعطائه جرعة من الزعامة فى قومه أن أسلم لله وأسلم بإسلامه بقية الأتباع .
وإذا رجعنا سنوات من عصر الرسالة قبل الهجرة نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن معه سلاح سوى الكلمة الطيبة يبثها فى قومه المرة تلو الأخرى ، فحين يأتيه مندوب قريش يراوده فى أمر الدعوة يقول له : يا عم ، كلمة تعطونيها تدين لكم بها العرب وتملكون بها العجم : أن تقولوا لا إله إلا الله وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه ، وحين يأمره ربه بإنذار عشيرته الأقربين يجمعهم فى جمع ويقف فيهم خطيبا ويقول لهم : أرأيتم لو أنى أخبرتكم أن وراء هذا الوادى خيلا تغير عليكم صبحكم أو مساكم أكنتم مصدقى ؟ قالوا : نعم ما عهدنا عليك كذبا فيقول لهم : إنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد . فيرد عليه أبو لهب : تبا لك سائر يومك . ألهذا جمعتنا ؟ فلا يلقى بالا لتلك السفاهة ، ويتولى الحق سبحانه الإجابة عنه بوحى السماء وينزل عليه سورة من القرآن : تبت يدا أبى لهب وت


