الجمعة 14 جمادى الآخرة 1447 5-12-2025

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الجمعة 14 جمادى الآخرة 1447 5-12-2025

الأمانة

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

الأمانة
بقلم الأستاذ / أحمد علي درويش
الباحث القانوني ووكيل فرع إمبابة

الإسلام يهيب بمعتنقيه أن يكون ذا ضمير يقظ ، تصان به حقوق الله تعالى وحقوق الناس ، وتحرس به الأعمال من دواعي التفريط والإهمال ، ومن ثم وجب على المسلم أن يكون أمينًا .
والمتتبع لمادة الأمانة يجد أن الفعل أمن – كفهم – فأمن صاحبه وأمنه على ماله بمعنى وثقه ، ومصدره الأمانة ضد الخيانة ، وكذلك نجدها بمعنى عدم الخوف : أمن أمنًا وأمنه فهو آمن ، جعل له الأمن ، وآمن يؤمن إيمانًا أذعن وصدق – ومعاني المادة كلها ترجع إلى الوثوق والاطمئنان ، والأمين هو الثقة المؤتمن . [ معجم ألفاظ القرآن الكريم – إعداد مجمع اللغة العربية ص 55 ج 1 ] .
وليست الأمانة – كما يفهم بعض الناس – هو الوديعة وحدها ، وإنما هي صورة عديدة : مادية ، وأدبية ، ومحسة ، ومعنوية .
ولكنها أداء واجب المسئولية التي يحملها المؤمن إزاء نفسه ، وإزاء غيره .. مسئولية الوظيفة العامة .. مسئولية الوفاء بالعهد .. مسئولية الإخلاص في المشورة .. مسئولية الأسرة في حفظها ورعايتها – فهي تغطية جميع الالتزامات الناشئة عن قبول ، أو التي تترتب على مضمون الإيمان باللَّه . [ كتاب توجيه القرآن الكريم في الإيمان للأستاذ الدكتور محمد البهي ص 37 طبعة سنة 1969 ] .
وعلى ذلك فإن الأمانة في نظر الإسلام واسعة الدلالة ، وترمز إلى معان شتى مناطها جميعًا شعور المرء بتبعة كل أمر يوكل إليه ، وإدراكه اليقيني بأنه مسئول عنه أمام اللَّه سبحانه وتعالى .
فإذا أمر اللَّه تعالى بأداء الأمانة في قوله : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا } النساء : 58 . فإن المقصود بذلك صنوف الالتزامات المختلفة التي تسلتزم الأداء ، والتي ينشأ عن أدائها تبادل الثقة بين المؤمنين واستقرارها في نفوسهم ، وليس النوع المادي وحده الذي قد يعرف باسم الوديعة أيضًا كما وضحنا .
ومدلول الأمانة بهذا الشمول والعموم قد قداء في قوله تعالى : { إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولاً } الأحزاب : 72 .
فإن الأمانة هي التكاليف والحقوق المرعية التي أودعة اللَّه المكلفين وأئتمنهم عليها وأوجب عليهم تلقيها بحسن الطاعة والانقياد وأمرهم بمراعتها وأدائها ، والمحافظة عليها من غير إخلال بشيء من حقوقها .
وقد جاء في الحديث الشريف : (( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالإمام راعٍ ومسئول عن رعيته ، والرجل راع في أهله في أهله مسئول عن رعتيه ، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها ، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته )) . رواه البخاري .
ويقول الله تعالى في وصف المؤمنين الذين كتب لهم الفلاح : { وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ(8) } [ المؤمنون ] ، والعهد والوفاء به صورة من صور أداء الأمانة كما أسلفنا . وفي تعبير القرآن هنا وفي سورة النساء عن الأمانات بصيغة الجمع يؤيد أنها صورة عديدة في المسئوليات العامة والخاصة ، وأنها التزامات متنوعة يلتزم بها المؤمن طبقًا لإرادته الحرة ولمشيئته الإنسانية التي دخل بها الإيمان وارتبط بنتائج إيمانه في علاقاته العديدة مع غيره .
وبضميمة الآيات السابقة والحديث الشريف نصل إلى المعنى الشامل الواسع للأمانة في الإسلام على ما توضح .
ولما كان الأنبياء والمرسلون صلوات الله وسلامه عليهم – هم النموذج الأعلى للبشرية والقمم العالية التي يتطلع الناس للسير على منهاجهم ، فقد فطرهم الله تعالى على خصال تؤهلهم للقيام بأعباء الرسالة والاضطلاع بمهام التبليغ والتوجيه ، وهم يختارون من أشرف الناس طباعًا وأزكاهم معادن وأعلاهم صفات . وكان من بين أوصافهم الأمانة لنتأسى بهم ولنطبع نفوسنا على أوصافهم ونوطنها على خصالهم .
والقارئ للقرآن الكريم بقلب واع يجده في ثانيا سوق قصة نبي من الأنبياء مع قومه يصفه بأنه أمين ويبلغ الرسول الرسالة ويخبر الناس بأمانته .
فهذا هود عليه السلام يعلم قومه بأنه رسول رب العالمين ويقول القرآن عنه { أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ(68) } [ الأعراف : 68 ] ، فهو ينبههم إلى خلوص النية للنصح لهم وأنه ثقة مؤتمن على رسالات الله تعالى حتى يكون ذلك أدعى إلى قبولهم الإيمان .
وها هو موسى عليه السلام قبل الرسالة شوهدت مخايل الأمانة وعلامات القوة عليه حين سقى لابنتي الرجل الصالح ، فرفق بهما وكان عفيفًام قدرًا لأنوثتهما مما حمل أحدى ابنتي الرجل الصالح أن تشير على أبيها أن يستأجره لصفاته التي أنستها فيه : { قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ } ، فكانته قوته التي زاحم بها الناس وأمانته التي ظهرت فيه بالعفة والاحترام مسوغًا لاستئجاره ، فكان ذل

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا