الجمعة 14 جمادى الآخرة 1447 5-12-2025

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الجمعة 14 جمادى الآخرة 1447 5-12-2025

الأمانة

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

الأمانة
بقلم السيدة الفاضلة نعمت صدقي
وأكد الله سبحانه أن الإنسان مسئول عن تنفيذ وعده ، وأن الأمين المؤمن لابد أن يفي بعهده ، فقال عز وجل : { وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً } ، بل إنه تعالى يبين لنا أنه يمقت خلف الوعد أشد المقت في قوله : { كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ } ، وذلك لأن خلف الوعد كذب واحتيال ، بل هو غدر وخيانة وأذى يحط من قدر المرء ، والمؤمن التقي من المحال أن يخلف وعده إذا وعد ، فهو يفعل ما يقول ، كما يقول ما يفعل ، ولا يطيق أن يعرض نفسه بكذبه للازدراء ، إذ لا يجرؤ على الكذب إلا صفيق الوجه جريء دنيء فقد الحياء ، يقدم على ما يزرى به ليحظى بما يشاء ، قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ” آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم ” . نعم صدق الرسول الكريم ، فإن المؤمن صادق أمين ، إذا حدث صدق ، وإذا وعد وفى ، وإذا اؤتمن رعى الأمانة ، وما أصدق من قال : أصدق الصدق الأمانة ، وأكذب الكذب الخيانة .
وإذا سأل سائل وقال قائل : إذا كان خلف الوعد خيانة ، فكيف يتكرر المعنى في قول الرسول الكريم : ” إذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان ” وكلاهما خيانة ؟ أقول : إن الأمانة ترمز كما قلنا إلى معان شتى ، كما أن الخيانة تتنوع وتتفاوت ، فالوفاء بالعهد نوع من الأمانة ، وخلف الوعد نوع من الخيانة ، إذ من لا يفي بوعده كاذب محتال ، خدع غيره فأضر من اعتمد عليه ، وخان من ائتمنه واستسلم إليه ، أما قول الرسول الكريم ( : ” إذا اؤتمن خان ” فمعناه يشمل كل أنواع الخيانة لا خلف الوعد وحسب ، أي خان من ائتمنه على إتقان عمل فأفسده بإهماله وسبب أذاه ، أو خان من ائتمنه على سره ففضحه وأفشاه ، أو خان من أوصاه ولم ينفذ وصيته التي تعهد بها ، كما خان من ائتمنه على وديعة فلم يردها إلى أصحابها .
وهكذا تكررت أنواع الخيانة وتعددت كما تعددت أنواع الأمانة ، ولهذا جمعها الله تعالى في قوله : { وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } ، وفي قوله : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا } ، فأكد سبحانه بقوله : { أماناتهم } ، أن الأمانة أنواع شتى أهمها الوفاء بالعهد ، ولذلك خصه تعالى بالذكر ليجمل المؤمن بشرف صدق الكلمة ، ولينقذه من شر خلف الوعد وحقارته ، وينقذ كذلك المجتمع من سوء مغبته .
وفي قول الرسول الكريم : ” إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ” تكرار كذلك لأن خلف الوعد نوع من أقبح وأحقر أنواع الكذب ، التي تحط من قدر الإنسان وتزري بشرفه ودينه وخلقه ، بل هو خيانة تدعو إلى كل شر ، وخدعة تسوق إلى كل ضر ، وإذا تأمل عاقل وجد أن خلف الوعد يعم ويشمل كل رذيلة ، ويبعد عن كل فضيلة ولذا خصه الرسول الكريم بالذكر ليحذر من عظيم شره ، كما خص الله عز وجل مراعاة العهد ؛ لأن الوفاء به أعظم شرف وأجمل أنواع الأمانة ، ولذا كرر سبحانه مدح المؤمنين بهذا الخلق الكريم في قوله : { وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ } ، وقوله : { وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } ، وما أجمل قول الرسول الكريم : ” لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له ” .
نعم ، لا إيمان لمن لا أمانة له ؛ لأن الأمانة آية الإيمان الصحيح ، كما أن الوفاء بالعهد آية الأمانة ، فما الأمانة إلا تقوى وصدق في القول والعمل ؛ والمؤمن الصادق الإيمان أمين يوثق بقوله وعمله ، ولذا سمى الرسول الكريم ( الأمين ) .
وقد وصى اللَّه تعالى المؤمن بأن يكون أمينًا في عمله وقوله ، وفي وزنه وكيله ، حريصًا على إعطاء كل ذي حق حقه كاملاً في قوله : { أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ } ، وفي قوله : { وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ } ، حث على الأمانة ، ونهى عن الخيانة ؛ لأن معنى بخس الشيء هو حط من قدره وأجره ، وهو ظلم وسرقة ، بل وخيانة ، فكم من مسلم أتى هذا العمل الذميم وعصى أمر ربه ، وهو غافل أو متغافل عن ذنبه ، فبخس الناس أشياءهم ولم يقدر إحسانهم ، فعاب ما يجب أن يعجب به ويثنى عليه ، وضن بمديحه وشكره ، بل سعى ليحط من قدره ، ليحظى بأن يحط من أجره ، فسر لا من أحسن في عمله ، وظلم من تعب من أجله ، فما أحكم قوله تعالى : { وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ } .
وكم من مسلم انتهز فرصة احتياج أخيه الإنسان إلى بيع شيء ، فاشتراه بأقل من نصف ثمنه ، ورضي له حياؤه أن يرغم هذا المسكين على بيعه بهذا الثمن الزهيد ، ولم يدر بأنه سرق وظلم ؛ لأن هذا البائع ما باع بهذا الثمن إلا لاضطراره وحاجته الضرورية ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ” ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام ” فكيف بما أخذ ب

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا