ابن تيمية سلفيٌ وإن رغمت أنوف
بقلم: سليمان رشاد محمد
( 6 )
في المقالات الخمسة السابقة لهذه المقالة كان ردنا على كتاب ( ابن تيمية ليس سلفيا ) لمؤلفه الشيخ منصور محمد محمد عويس، وكانت كلها تدور حول الصفات الإلهية، فالمؤلف يتبنى آراء المعتزلة والجهمية المعطلة للصفات والأفعال، المؤولة للأسماء. وابن تيمية يتبنى السلفية وإثبات الأسماء والصفات والأفعال وعلى أنها حقيقية لا مجازية كما يدعي المؤلف، وقد تبين صواب مذهب الإمام ابن تيمية مما نقل المؤلف نفسه من آرائه.
وفي الباب الثالث من الكتاب- ويشتمل على فصلين- ينتقل المؤلف إلى الأنبياء فيعنونهما ( موقف ابن تيمية من عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ) وسيتبين لك أن موقف الإمام في موضوع عصمة الأنبياء أسلم من موقف المعتزلة الذين يعتنق المؤلف مذهبهم.
ولفظ ( العصمة ) تأتي بمعنى المنع وبمعنى الحفظ، ويقال: ( اعتصم باللَّه ) أي امتنع بلطفه عن المعصية، ( واستعصم ) أي طلب العصمة، وعصم اللَّه فلانًا من الزلل أي منعه وحفظه من الوقوع في الزلل.
والمؤلف يعترف ويقر أن ابن تيمية يثبت العصمة فيما يتعلق بالوحي، ويدعي بعد ذلك أن الإمام لا يثبت العصمة للأنبياء من الذنوب، سواء كان ذلك قبل النبوة أو بعدها، وأن الإمام يعارض في تأويل الآيات والأحاديث الدالة على استغفار الأنبياء ويوجب إجراءها على ظاهرها، وأن رأيه في ذلك يتناسق مع مذهبه في إنكار المجاز، وسترى أن المؤلف نقل بنفسه عن الإمام خلاف ما ذهب إليه.
ثم ينقل عن الإمام ابن تيمية قوله: ( والعصمة فيما يبلغونه عن اللَّه ثابتة فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين ) ثم يعلق على هذه العبارة بقوله: إن لازم كلامه أنه يجوز الخطأ في ذلك غير أنه يمنع استقرار الخطأ والاستمرار فيه،، ولو كان مثبتًا للعصمة على إطلاقها لقال: فلا يقع في ذلك خطأ. والمؤلف يلجأ دائمًا إلى لازم كلام الإمام، إذ لا فرق بين التعبيرين إذا أحسنا الظن، وليس من العدل أن يلزم الإمام ليكتب بمثل ألفاظه هو، إذ لا فرق بين يستقر ويقع، ولكنه اللدد في الخصومةمع الحقد والضغن، عافانا اللَّه.
ولإثبات أن لازم كلام الإمام ابن تيمية تجويز الخطأ فيما يبلغه الرسل عن اللَّه سبحانه وتعالى، أورد حديث الغرانيق وأنه قال أنه: ( منقول نقلاً ثابتًا لا يمكن القدح فيه ) هذا ما قاله ابن تيمية عن نقل الحديث، أما كيفية وقوع الحادث فقد أورد كلام الرواة، وأن أصح الروايات هو أن الشيطان ألقى في آذان المشركين عندما بلغ الرسول عليه الصلاة والسلام في تلاوة سورة النجم إلى قوله تعالى: {وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} ألقى في آذانهم: تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى. وهذا هو نفس ما قاله الإمام ابن تيمية، وهو مذكور في أكثر كتب التفسير، فلماذا يكون العتب على ابن تيمية دون غيره من العلماء الذين أورد المؤلف نفسه أقوالهم وذلك باعتبار أن ( تمنى ) بمعنى قرأ. أما إذا أبقينا اللفظ على أصله بمعنى تمنى هداية قومه ألقى الشيطان العقبات في طريق تحقيق هذه الأمنية بما يزين به الباطل للمشركين، وحملهم على الوقوف في وجه دعوة الحق.
وهنا يحسن أن ننقل ما قال الإمام ابن كثير في سياق تفسير هذه الآية، فبعد أن نقل كثيرًا مما روى في هذا الموضوع، وبين أنها روايات مرسلة، نقل عن القاضي عياض في كتاب الشفا قوله: إنها كذلك- أي قصة الغرانيق- لثبوتها، وقوله تعالى: {إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} وهذا فيه تسلية من اللَّه لرسوله صلاة اللَّه وسلامه عليه، أي لا يحزنك فقد أصاب مثل هذا من قبلك من الأنبياء والمرسلين ). ثم قال ابن كثير، قال البخاري: قال ابن عباس: (إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته- يقول إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه ) من كل ذلك ترى أن ابن تيمية لم يكن أول من ذهب إلى ما ذهب إليه، بل ذهب إليه كثير من السلف. فلم يكن هناك محل لتحامل المؤلف عليه في هذا الموضوع إلا الشنآن. والغريب أن المؤلف نفسه لم يذهب بعيدا عندما قال بعد ذلك: ( إذا تمنى هداية قومه ألقى الشيطان في سبيل أمنيته الشكوك والشبه ليحول بين النبي وبين أمنيته، أو ألقى الشبه فيما يقرؤه النبي عليهم حتى يجادلوا فيما يسمعوه جدال شك وتعنت وتكذيب وجحود ليصد الناس عن الإيمان ) إذًا يقر المؤلف أن الشيطان يمكن أن يلقى فيما يقرؤه النبي، إذا فلم هذه الضجة التي يثيرها المؤلف حول الإمام ابن تيمية.
ثم ينقل المؤلف فقرات من فتاوي الإمام تدور حول عصمة الرسل فيما عدا الوحي والرسالة. وأن الأنبياء يجوز أن يقعوا في الإثم، ولكن تلحقهم العصمة من اللَّه فيتوبون من قريب، وأنه قال- أي الإمام- ( الذي عليه جمهور الناس، وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف، إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقا ) ومما يجب أن يكون مفهومًا لنا- وهو ما يقصده الإمام ابن تيمية- أن ذنوب الأنبياء ليست من نوع ذنوب


