ابن تيمية سلفي وإن رغمت أنوف
بقلم: سُليمان رشاد محمد
– 5-
كان ردنا في المقال السابق على كتاب الشيخ منصور محمد محمد عويس ( ابن تيمية ليس سلفيا ) عن الفصلين الخامس والسادس من الباب الثاني من الكتاب والذي عنونهما ( ابن تيمية يزعم أن كلام اللَّه تعالى بحرف وصوت ).
ولم يكن الإمام ابن تيمية هو الذي فتح باب هذه البدعة، بل إنه نص في أقواله أن السلف لم يصفوا كلام اللَّه بهذين الوصفين لا نفيا ولا إثباتا، ولكنه اضطر لإثبات الوصفين أمام لجاج المبتدعة بالنفي والحق أن المعنى صحيح وإن لم يرد اللفظان في كلام السلف كما قلنا، فاللَّه سبحانه وتعالى يسمع في الدنيا وفي الآخرة من يريد، فصفاته سبحانه وتعالى كلها حقيقية لا مجازية كما يهرف المعتزلة وأتباعهم في كل زمان.
وعنون المؤلف الفصل السابع ( زيادة بيان لفهم ابن تيمية في المتشابه ) والمؤلف يعتبر أسماء اللَّه وصفاته من المتشابه. وعاد إلى ما كرره عشرات المرات من قبل أن ابن تيمية قال بقيام الحوادث باللَّه سبحانه وتعالى، وأن كلامه سبحانه بحرف وصوت، وأن ابن تيمية ينكر المجاز في اللغة،وقد سبق أن بينا في المقالات الأربعة السابقةلهذه المقالة أن الإمام ابن تيمية قد أصاب الحق في كل ما قاله: أما في قيام الحوادث باللَّه فقد نقل المؤلف نفسه عن الإمام ما يثبت أنه إنما يقصد بقيام الحوادث الصفات الإلهية. أما في قضية الحرف والصوت فإن الإمام- كما نقل المؤلف أيضا- قال إن وصف كلام اللَّه بهما بدعة وأنه لولا إصرار المبتدعة على النفي ما أثبتهما. أما مسألة المجاز فقد سبق أن قلنا أن المؤلف لو أنصف لقال: ابن تيمية ينكر المجاز في القرآن والسنة، لا في اللغة، فإنه يؤكد أن كل ما جاء في القرآن والسنة من الصفات هي صفات حقيقية لا مجازية.
فإذا قال الإمام في شرح حديث النزول أنه نزول حقيقي، أخذ المؤلف يرغي ويزبد ويتهم الإمام بالتشبيه والتجسيم، وينقل عن أئمته في التعطيل الرازي والباقلاني والكوثري أن النزول هو نزول الرحمة، والحديث يقول: إن النزول حين يمضي من الليل الثلث، فهل رحمة اللَّه لا تنزل إلا في هذا الوقت؟ كلا إن رحمة اللَّه واسعة وتنزل في كل وقت، ولو أن رحمته انقطعت لحظة واحدة لهلكت الأرض ومن عليها وما عليها.
وقد سفه الإمام عثمان بن سعيد الدارمي- كما نقل المؤلف من كتاب ( العقيدة الأصفهانية ) لابن تيمية- القائلين بأن الذي ينزل هو أمره ورحمته، قال الدارمي: ( هل أمره ورحمته تدعوان العباد إلى الاستغفار؟ وهل يقدر الأمر والرحمة أن يتكلما دونه فيقولا ” هل من داع فأجيب له، هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فأعطيه” فإن قررت مذهبك لزمك أن تدعي أن الرحمة والأمر هما اللذان يدعوان الناس إلى الإجابة والاستغفار بكلامهما دون اللَّه، وهذا محال عند السفهاء فكيف عند الفقهاء، وقد علمتم ذاك ولكن تكابرون. وما بال أمره ورحمته ينزلان من عنده الليل ثم يمكثان إلى طلوع الفجر ثم يرفعان، لأن رفاعة يرويه ويقول في حديثه حتى ينفجر الفجر. وقد علمتم إن شاء اللَّه أن هذا التأويل أبطل الباطل ولا يقبله إلا كل جاهل ) ثم يعلق المؤلف على هذا القول فيقول: إلى هنا قد لا نلمس لمسا محسوسا معنى التجسيم. ثم ينقل فقرة أخرى مما نقله الإمام ابن تيمية عن الدارمي، تقول: إنه ينكر على المؤولة تفسيرهم لكلمة ( القيوم ) بالذي لا يزول عن مكانه، فالحي القيوم يفعل ما يشاء مما قد يتوهم المعطلة أنه تجسيم كالبسط والقبض، والرفع والخفض،ويتحرك إذا شاء، ويهبط ويرتفع إذا شاء، ذلك لأنه سبحانه حي فعال لما يريد.
فهل تدري ما فعل المؤلف والكوثري والرازي، ردوا على ابن تيمية والدارمي بالسب والشتم، وأخذوا يرددون كلام المعتزلة المعطلة للصفات، ولم يقدموا نصًا واحدًا من كتاب اللَّه أو حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن المراد بالنزول نزول أمره ورحمته، ولن يجدوا ذلك أبدا، بل إن ما نقل المؤلف عن الإمام ابن تيمية كاف لدحض حجته وتوثيق مذهب السلف القائلين بأن أفعال اللَّه وصفاته كلها حقيقية لا مجازية. لأنها لو كانت مجازية يكون اللَّه سبحانه وتعالى قد خاطب عباده بما لا يفهمون، ويكون قد لبس عليهم بما لا يدركون، ثم لا يكون كتابه حجة عليهم، ولا يكون بيان رسوله صلى الله عليه وسلم حجة عليهم أيضا، وتعالى اللَّه عما ينتهي إليه مذاهب المبطلين علوًا كبيرا.
ومن عجيب أمر المؤلف أنه ينقل أدلة ابن تيمية في الإثبات من أقوال أهل الحديث والسنة كالإمام أحمد بن حنبل والدارمي وعبد اللَّه بن المبارك وإسحق بن راهويه وحرب بن إسماعيل الكرماني وغيرهم، وهي أدلة قوية جدًا مدعمة بالنصوص، ثم لا يجد ردًا على ذلك كله إلا ما ينقله من الباقلاني والرازي بالنفي من غير دليل كعادته في ردوده. ويرد المؤلف حديث يوم المزيد الذي يتجلى فيه اللَّه سبحانه وتعالى على أهل الجنة كل يوم جمعة ومخاطبته لهم، مع أن هذا الحديث رواه الإما


