من كتابات الشيخ عبد الرحمن الوكيل رحمه الله
ابن بطوطة يفتري الكذب على ابن تيمية
مما افتراه الخراصون على شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية رضى الله عنه أنه كان يومًا يعظ الناس على منبر جامع دمشق ، فكان من جملة كلامه أنه قال : (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كنزولي هذا ، ونزل درجة من درج المنبر) ، ومن العجب المقنع بالأعاجيب أن هذه الفرية المفتراة وجدت من يصدقها ويذيعها ، ويدب بها صِلاً غدارًا جبانًا ينفث بها سمومه .
فليس في كتب الإمام ابن تيمية ، ولا في فتاويه التي خلفها شية من ذلك البهتان ، ولا آثاره تنم عن هذه الفرية في ظنونها الآثمة ، فابن تيمية المؤمن الصادق الموحد من أعلم الناس بربه ، وما ينبغي لجلاله ، إن ابن تيمية كان نداء الإيمان القوى الذي دوى ، فأيقظ المسلمين من سبات الغفلة الجاهلة ، كان نورًا شعاعًا يمزق عن العقول اسداف التقليد . إن ابن تيمية وجد القلوب يتنازع هواها جيَفٌ فهم فيها الضالون الربوبية من دون الله ، فحاول جمعها على محبة الله الحي القيوم ، وجد المسلمين قد لوثت عقولهم الفلسفة الحيرى ، ومزق اعتقادهم علم الكلام المضطرب ، وأضلت قلوبهم الصوفية الزنديقة ، وشتت دينهم الفقهاء المتنابذون ، فأعلن في جرأة الحق وصولة الإيمان القوى ، غير هياب ولا وجل ، أن كلمة الله هي العليا ، وأن الدين نَبْعٌ من كتاب الله ، وإشراق من سنة رسول الله ، أعلن أن الدين ليس فلسفة ولا كلامًا ولا صوفية ، ولا (فقهنة) ، بل إن الدين هدي يستهل إشراقًا من الذكر الحكيم ، ومن سنة النبي الكريم ، فأني لابن تيمية الخاضع الضارع الخشوع لله أن يشبه نزول ربه بنزوله هو من على منبره ؟!. آه لو تجردت العقول من الهوى ، ولو رفع عنها حجب التقليد العمياء الصماء ، لرأت الحق أبلج البرهان ، ولشهدت الهدى علوى البيان !! .
بدهتني هذه الفرية من زمن فطالعت من كتب شيخ الإسلام ما ثبت يقينى أن الشيخ برئ من هذه الفرية ؛ ولكنى ساءلت نفسى : أيقنا بكذب الفرية ، ولكن أين ؟ ومن هو المفترى ؟! ومن ذا الذي تسرب بها في ثنايا التاريخ أفعوانًا يدب على ختل وغدر ؟ ومازلت تصرفني الصوارف ، ثم يعود بي الفكر كلما ناقشنى مجادل مقلد ، ومضى يُرْجف بهذه الفرية ، ويبدهنى بهُجره : حسبكم ضلالًا يا أنصار السنة قولكم وقول ابن تيمية : إن الله ينزل من فوق عرشه كنزولكم من على منابركم . ومن ثم أحيله على كتب شيخ الإسلام فينفر مذعورًا غبي الخوف قائلًا : أأقرأ في كتب ابن تيمية ليهدم عقيدتي ؟! كلا !! إنها سم زعاف !! .
نعم يا رجل : سم زعاف لطاغوتك ، وصاعقة تدمر على رءوسها أصنامك !!
ومازلت حتى أعثرني الله على المفتري الكذوب ، وبدهى أن أشنع الكذب ما كانت الماديات المحسة تكذبه ، وما كانت حقائق التاريخ الجلية ترميه بالبهتان .
ها هو كتاب (مهذب رحلة ابن بطوطة) في يدي ، وهأنذا أطالع من جزئه الأول ما يأتي : (وصلت يوم الخميس التاسع من شهر رمضان المعظم عام ستة وعشرين إلى مدينة دمشق الشام) (1) ، ثم أطالع بعدها فأجد ابن بطوطة يقول : (وكان بدمشق من كبار فقهاء الحنابلة تقي الدين ابن تيمية كبير الشام يتكلم في الفنون إلا أن في عقله شيئًا (2) ، وكان أهل دمشق يعظمونه أشد التعظيم ويعظهم على المنبر) ثم يقول : (حضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم ، فكان من جملة كلامه أن قال : إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا . ونزل درجة من درج المنبر (3) ..
هذا هو بيت القصيد كما يعبرون ، فابن بطوطة الحقود على الإمام يريد رميه بما ابتدعه المبتدعة : بالتجسيم ، يريد رميه بأنه يشبه صفات الخالق بصفات المخلوق ، وأن هناك حركة متجسدة محسة يتحركها الإله ، وبأن هنالك مسافات تطوى وتجشه جهدًا كالإنسان . سبحان ربنا وتعالى .
تلك هي فرية الحقد وبهتان الحسد ، ويقيني أنها المصدر الأول لكل حاقد مبغض لابن تيمية ولمقدريه ، ولكن الله الذي يؤيد بالنصر أولياءه ، ويقيم بالحق أود الحق ، ويشيع نور العدل في حوالك الجور ، أقول : إن الله العدل الخبير جعل لنا من الحقائق المادية التي يكاد يلمسها الحس حجة على ابن بطوطة تدمغه بالإفك ، وتجعل من بهتانه فرية (مُسَيْلِميَّةٌ) النسب ، (بهائية) الدعوى ..
يقول ابن بطوطة : إنه وصل دمشق في يوم الخميس التاسع من شهر رمضان المعظم عام ستة وعشرين وسبعمائة هجرية ، فهو يحدد تحديدًا دقيقًا باليوم ، وبالشهر وبالسنة ، وقت دخوله دمشق ، ولا ريب في أنه سمع ابن تيمية – كما يفتري – بعد ذلك . لأنه سمعه يوم الجمعة ، فلا ريب يكون مراده أنه سمعه في اليوم العاشر من رمضان ، إن لم يكن بعد ذلك ، وإنه بهذا التحديد الدقيق قد أقام الحجة على كذبه الكذوب ، وإليك الدليل :
هاهو كتاب العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (1) بيدي ، وهأنذا أقرأ فيه (فلما كان في سنة ست وعشرين وسبعمائة وقع الكلام في مسألة شد الرحال وإعمال


