إسهامات القراء
فقهاء السلطان
مَنْ كان الله له الغاية ، والرسول صلى الله عليه وسلم له القدوة ، وكان دستوره القرآن ، وسبيله الجهاد ، ومن كان الموت في سبيل الله أسمى أمانيه ، من كانت فيه هذه المواصفات فلقد رضى لنفسه العزة ولذاته الكرامة .
ولمَّا أن أصاب الوهن وأخذ يدب في شرايين الجسد الإسلامي ، وما ذلك إلا نتيجة التهاون في التمسك بقيم هذا الدين ، والاحتكام إليه على مستوى الفرد قبل الجماعة ، لمَّا أن حل بنا هذا الوهن والركون إلى الدنيا وملذاتها ونعيمها الزائل وشهواتها ، لمَّا أن حل هذا بمجتمعاتنا ظهرت على الساحة وظائف جديدة : فهذا شاعر البلاط ، وهذا فقيه السلطان ، وهذا مهرج البلاط ، وهذا كهرمان السلطان .
* فهذا مثال لشاعر السلطان ، إنه الشاعر الأندلسي الذي مكث يمدح السلطان العبيدي فقال :
ما شئت … لا شاءت الأقدار
فاحكم … فأنت الواحد القهار
وكأنما أنت النبي محمد
وكأنما أنصارك الأنصار
وكثيرًا ما نسمع أمثال هذه التسابيح التي يسبح أصحابها بحمد السلطان ، وبقوته وحوله وطوله من دونه ، فإذا بهم ينسبون للسلطان والأمير من صفات الله تعالى الكثير ، بل إن بعضهم ليصف السلطان بأنه الوحيد الأوحد الذي ما سعدت البشرية يومًا في تاريخها السحيق إلا في عصره القويم السديد ، ولا ينقص هؤلاء إلا أن يقولوها بلسان فصيح :
* وهذا مثال لفقيه البلاط ومفتي السلطان .
فهذا مفتي كاذب القفا يدخل على الخليفة المولع بتربية الحمام ، فإذا بهذا الفقيه ينتحل رواية يرضي بها غرور السلطان ، ولينال من عزه ما قسمه له الشيطان يقول :
روينا يا أمير المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا سبق إلا في خف ، أو حافر ، أو جناح ) ، ومثل هذا الفقيه كثير في كل عصر ومصر .
فهذا فقيه يحلل الربا ويعلنها في كل نادٍ ، وهذا مفتي وفقيه يقولها بكل لسان : إن حجاب الفتاة حرية شخصية ، فلماذا اندهاشنا إذن من الفقيه الذي لفق رواية لحديث ليرضي غرور ذلك المغرور ؟!
وبعد
فلا يسعنا في هذا المقام إلا أن نتذكر :
– إمام الأئمة أحمد بن حنبل ، وقد رفض النطق بخلق القرآن حتى تم اعتقاله وخلع ذراعه .
– العظيم ابن تيمية ، وقد تم سجنه لعدم إرضائه لغرور سلطان عصره وأوانه .
– الفقيه سلمة بن دينار ، الذي ارتفع على ذاته حتى لامست رأسه الثريا .
لقد لوثوا صورة الإسلام الناصعة ، فحسبنا الله ونعم الوكيل ، ودعوانا لرب العباد أن يثبت علماءنا الصادقين المخلصين في عصر كثرت فيه الفتن حتى أصبح الحليم حيرانًا .
ومهما كانت الأزمات فدين الله هو المستقبل ، ونصر الله لا ريب فيه : ( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ) [ الحج : 40] .
أ / حمدي أحمد مراد
رئيس جمعية دعوة الحق الإسلامية
منشأة رضوان / إمبابة


