أعداء التطرف يتطرفون
بقلم علي عيد
جلست أقلب في بعض الأوراق فوقعت نظراتي على كلمات في مجلة صوفية تنتسب إلى الإسلام تظهر الشماتة والفرح في أعضاء مجلس الشعب السابق لأنه قرر مصادرة كتاب الفتوحات المكية لابن عربي فحل المجلس وذلك من كرامات ابن عربي
وأخذتني هذه الكلمات أخذا عجيبا إذ كيف تتحكم مثل هذه الأغلوطات في عقول بعض المسلمين فتملكها امتلاكا حتى أنها تجيز نشرها والتبشير بها ؟؟ وهل بعد كل ما صدر في تقييم ابن عربي ودراسة فكره وكتاباته يأتي محرر ينتسب إلى الإسلام ليعلن بكل بساطة أن محيي الدين بن عربي ولي من أولياء الله وأن من كراماته حل مجلس الشعب المصري لأنه تجرأ على مقامه وقرر مصادرة كتاب من كتبه ؟!
وبلغ بي الأسف مبلغه وسفحت دمعا مشبوبا من خالص قلبي على الإسلام وما تعرض له من مؤامرات وما نالته من خطوب وها هو اليوم تعترضه هذه الأباطيل الزائفة مدفوعة من أعدائه في الداخل والخارج لتلحق به نسبا هو منه براء وتلصق به دعيا شهد عليه عصره بأنه من ألد الأعداء
والغريب في الأمر أن أولئك القوم أسرة المجلة كثيرا ما نراهم يتباكون ويتأسفون على تطرف غيرهم من الجماعات ويدعون بحرارة إلى منهاج الاعتدال ويا سبحان الله أين دعواهم وشعارهم من عقائدهم وسلوكهم فلا حول ولا قوة إلا بالله
ومثل أولئك كمثل رجل ذي حظ عظيم في أجهزة إعلامنا المسموعة والمرئية موسوم الألقاب العلمية يبذل من وقته وطاقته من قديم ومنذ سولت له نفسه أن يكتب في الدين أن يعقد نسبا بين الانسان والحيوان فقدم محاولات عقيمة لم تؤت ثمارها مكتوبة ومرئية لتشويه الإسلام ثم هولا يفتأ يهاجم ويسب الجماعات الإسلامية التي تعتصم بالكتاب والسنة ويصفها بالتطرف ويدعوها إلى نبذ منهجها والدخول في زمرة المعتدلين على منواله الذين لا يرون في الدين إلا الصوفية الهائمة في بيداء الخرافة الناعمة بغفلة العقل والقلب بدلا من ايمانهم بأن الإسلام دين ومنهج لقيادة الحياة واصلاح الجماعة البشرية
هذا الدكتور أستضيف في برنامج إذاعي لا تفتأ الإذاعة الموقرة من إعادة إذاعته بمناسبة وبغير مناسبة وهو برنامج (من مكتبة فلان) دعته المذيعة إلى الحديث عن كتاب الفتوحات المكية لابن عربي فما حدثنا عن الكتاب ودعى للحديث عن فلسفة ابن عربي فما نطق بكلمة فيها وما زاد عن مدح شخصية ابن عربي بما ليس فيه إذ وصفه بأنه أعظم مفكر إسلامي وأنه معجزة الإسلام وأنه أينشتين عصره وبعد هذه الأوصاف يقول بكل أسف إنه لم يفهم شيئا من أقواله طوال عشر سنين إلا أنه علم أن بالكتاب أسراراً في أسرار ومفاهيم مغلقة يحتاج إيضاحها إلى مساعدة أحد الأساتذة المتخصصين في التصوف لأن هذه الأسرار أوحى بها إلى ابن عربي خاصة
وطبعا لا تهمنا بقية آراء الدكتور صاحب مكتبة المسجد لأنها بنيت على عدم فهمه لمؤلفات ابن عربي بشهادته هو وإنما الذي يهمنا بالقطع هو هذه الغلواء التي لا تأت بخير في أحكامه على كل متعرض لكتب ابن عربي أوفلسفة ابن عربي أوشخص ابن عربي بنقد أوتحليل وبالتأكيد بعد فهم وعلم وليس كما يصنع الدكتور الداعية إلى المنهج العلمي لأن المسلم صاحب التصور الإسلامي النظيف إذا ما عرض عليه فكر ابن عربي يعلم بسليقته الإسلامية وبنور الإسلام أن ذلك الفكر خبل واهم وخبط عشواء
وقديما ناقش فكر ابن عربي كثيرون من أعلام الأمة قبل ابن تيمية وبعد ابن تيمية حتى لا يظن ظان واهم أن ابن تيمية انفرد بنقده فقد ألف برهان الدين البقاعي كتابين تناول فيهما ابن عربي وابن الفارض وأبان عن خلالهما وفساد عقيدتهما وهما (تنبيه الغبي على تكفير ابن عربي) (تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد) وقد عدد البقاعي نحوا من أربعين عالما
كلهم من دعائم الدين من عصر ابن الفارض إلى عصر البقاعي وكلهم يرمي الرجل بما ينظمه في سلك الكفر أوالزندقة والالحاد والاباحية ومن هؤلاء عز الدين بن عبدالسلام وابن دقيق العيد وتقي الدين السبكي وبدر الدين بن جماعة وزين الدين الحنفي وقال عضد الدين الايجي صاحب المواقف عن ابن عربي أنه كان كذابا حشاشا كأوغاد الأوباش وأن قولهم إن وجود الكائنات هو الله تعالى يعني أنه لا نبي ولا رسول ولا مرسل ولا مرسل اليه وقال ابن عربي له خداع كثير ضل به كثيرا فأثنى عليه لذلك قوم من المؤرخين خفى عليهم أمره وأن العلماء اتفقوا على تكفيره بحيث أصبح ذلك أمرا إجماعيا
ونحن نعلم أن المستشرقين أولوا دعاة الفلسفة الباطنية من أمثال ابن عربي والحلاج وابن الفارض وابن سبعين اهتماما واسعا وروجوا لهذه الأفكار بين جماهير المسلمين ومن تلقى هذه التصورات عن المستشرقين فظن أنه على شيء من الدين أوالعلم فهو أتعس التعساء لأنه على غير الإسلام أو هو على شفا جرف هار ولا حول ولا قوة إلا بالله وبقي أن نقول مخلصين يا دعاة الاعتدال كفى تطرفا والله يهدينا وإياكم سبيل الرشاد
علي عيد – سرس الليان


