أضواء على رواة الحديث
عائشة أم المؤمنين رضي اللَّهُ عنها
هي أم المؤمنين، بنت أفضل الناس بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، أبي بكر الصديق، وأمها أم رومان بنت عامر، وشقيقها عبد الرحمن. كناها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بأم عبد اللَّه بابن أختها: عبد اللَّه بن الزبير.
بنى بها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ( بنى بها: زفت إليه زوجة أي دخل بها ) وهي في التاسعة من عمرها، ولم يتزوج بكرًا غيرها، وكان جبريل قد بشره بزواجه منها. فمما ترويه عائشة رضي اللَّهُ عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ( أريتك في المنام ثلاث ليال، جاءني بك الملك في سرقة من حرير ( السرقة: بفتح السين والراء والقاف القطعة من الحرير الأبيض وجمعها سرق بفتح السين والراء أيضًا )، فيقول هذه امرأتك، فأكشف عن وجهك، فإذا أنت هي. فأقول: إن يك هذا من عند اللَّه يمضه ) وبلغها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سلام جبريل عليها.
وكان جبريل عليه السلام ينزل على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو في فراشها، فقد روى البخاري أن النبي صلوات اللَّه عليه وسلامه قال لأم سلمة: ( واللَّه ما نزل الوحي وأنا في لحاف امرأة منكم غيرها ).
وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يزداد ميله القلبي إلى عائشة رضي اللَّهُ عنها. ولذلك كان يعدل بين زوجاته ويدعو ربه قائلا: ( اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ) يعني القلب. وكان لها في القسم يومها ويوم سودة الذي وهبته لها تقربًا بذلك إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم . وكان الناس يتحرون بهداياهم إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم عائشة، فعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن الناس إذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أخرها حتى إذا كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة بعث صاحب الهدية بهديته.
ومما يروى عنها في الصحيح أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال لها: إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت علي غضبى. قالت: ومن أين تعرف ذلك؟ قال: أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى قلت لا ورب إبراهيم. قالت عائشة: قلت أجل. واللَّه يا رسول اللَّه ما أهجر إلا اسمك.
ولما كان الثريد طعاما مفضلا عند العرب عامة، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : ( فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ).
* * *
وكانت عائشة رضي اللَّهُ عنها تتصدق بما عندها حتى لا يبقى منه شيء. فقد روى أنها تصدقت بغرارة من الدراهم وأفطرت في ذلك اليوم على خبز الشعير. وقد بعث إليها معاوية بمائة ألف درهم، فما غابت الشمس وعندها منها شيء، وكانت تقول: ( ما شبعت بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلا ولو شئت أن أبكي لبكيت. ما شبع آل محمد من طعام حتى قبض ).
وكانت رضي اللَّهُ عنها فقيهة، شهد لها الصحابة والتابعون بالعلم والفقه والحديث.
قال ابن أبي مليكة: إن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت لا تسمع شيئًا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه.
وقال أبو موسىالأشعري: ما أشكل علينا- أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم – أمر قط فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها علما.
وقال عروة: ما رأيت أحدًا أعلم بطب ولا بشعر ولا بفقه من عائشة.
وقال مسروق: رأيت مشيخة ( مشيخة: تقرأ بإسكان الشين وفتح الياء أو بكسر الشين، وهي جمع ( شيخ ) الذي يجمع أيضًا على شيوخ بضم الشين أو كسرها وأشياخ ومشايخ ) أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يسألونها عن الفرائض.
وقال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل.
ولا يعارض هذا القول للزهري ما روى عن المحدثين بأن حديث ( خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء ) ( الحميراء: تصغير الحمراء. ومما يروى أن عائشة كانت بيضاء والعرب تسمى الأبيض أحمر ) من الأحاديث التي لا سند لها، وأنه مكذوب، كما قال ذلك ابن حجر والمزي والذهبي وابن كثير، فإن معناه صحيح. وكانت تلميذاتها فقيهات منهن: عمرة بنت عبد الرحمن، وحفصة بنت سيرين، وعائشة بنت طلحة: بنت أختها أم كلثوم، ولسعة اجتهادها وإمعانها في الاستنباط انفردت عن الصحابة بكثير من المسائل الاجتهادية، وألف الزركشي في ذلك كتابًا سماه ( الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ).
توفي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في بيتها، ومما قالته رضي اللَّهُ عنها: ( إن من نعم اللَّه علي أن رسول اللَّه توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري ( السحر بضم السين: الرئة. والنحر بفتح النون أعلى الصدر (موضع القلادة ) ).
وقد روى البخاري عن عمار رضي اللَّهُ عنه قوله عنها: إني لأعلم أنها زوجة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة.
وقد بلغ من ورعها وتقواها أنها


