أدب المجالس في الإسلام
بقلم/ صلاح أحمد الطنوبي
قال الله جل ثناؤه:
((يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)) [المجادلة: 11].
يأيها الذين آمنوا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وتحلوا بالخلق القرآني: إذا قيل لكم توسعوا في المجالس لإخوانكم فوسعوا يوسع الله لكم فمن أفسح لأخيه في مجلسه وأكرمه وسع الله تعالى عليه وأكرمه إذ الجزاء من جنس العمل.
وفي تفسير القاسمي (محاسن التأويل جـ16 صـ5722): ((قال قتادة)) نزلت هذه الآية في مجالس الذكر، وذلك أنهم إذا رأوا أجدهم مقبلاً ضنوا بمجالسهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم الله تبارك وتعالى أن يفسح بعضهم لبعض.. وقال السيوطي في الإكليل: ((في الآية استحباب التفسح في مجالس العلم والذكر وكل مجلس طاعة. ويفهم من الأمر بالتفسح النهي عن إقامة شخص ليجلس أحد مكانه. فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ? قال: ((لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا)) ((رواه الإمام أحمد والشيخان)).
وعن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن أفسحوا يفسح الله تعالى لكم)) (رواه الإمام أحمد).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في فتوى له في ذلك: ((لم يكن من عادة السلف على عهد النبي ? وخلفائه الراشدين أن يعتادوا القيام كما يفعله كثير من الناس بل قد قال أنس بن مالك رضي الله عنه: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك، ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبة تلقياً له كما رويَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام لعكرمة وقال للأنصار لما قدم سعد بن معاذ: قوموا إلى سيدكم وكان سعد متمرضاً بالمدينة وكان قد قدم إلى بني قريظة شرقي المدينة. والذي ينبغي للناس أن يعتادوا اتباع السلف على ما كان عليه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم خير القرون وخير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد، فلا يعدل أحد عن هدي خير الخلق وهدي خير القرون إلى ما هو دونه)).
فالآية تحض على الإفساح للقادم ليجلس كما تحض على إطاعة الأمر إذا قيل لجالس أن يرفع فيرفع وهذا الأمر يجيء من القائد المسئول عن الجماعة لا من القادم.. والفرض هو إيجاد الفسحة في النفس قبل إيجاد الفسحة في المكان ومتى رحب القلب اتسع وتسامح واستقبل الجالس إخوانه بالحب والسماحة فأفسح لهم في المكان عن رضى وارتياح.. (انظر: في ظلال القرآن جـ28 ص19).
وعلى الجملة فالآية تشمل التوسع في إيصال جميع أنواع الخير إلى المسلم وإدخال السرور عليه، ومن ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يزال الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه)). (انظر: تفسير أحمد مصطفى المراغي جـ28 ص16).
والمراد من قوله تعالى: ((انْشُزُوا فَانْشُزُوا)) أي الخروج من المجلس حتى لا يقع في المجلس ما يثير الضغينة أو يوقع العداوة.. والنشاز من كل شيء: الخارج على الوضع العام له.. والناشز: هي المرأة الخارجة عن طاعة زوجها.
وقال صاحب التفسير الحديث جـ10 ص105 ((وقد روى المفسرون أن المسلمين كانوا يتحلقون حول النبي صلى الله عليه وسلم ويتزاحمون على التقرب منه، فكان يأتي آخرون فلا يجدون مكاناً فيظلون وقوفاً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرغب في تكريم بعض كبار أصحابه أو رجال بدر في مجالسه فيطلب من أحد الجالسين إعطاء مجلسه لغيره فيستثقل ويكره، فأنزل الله الآية ليكون فيها تأديب وتطييب.. ولقد أورد المفسرون أحاديث نبوية عديدة في سياق هذه الآية وما فيها من تأديب وتلقين منها حديث عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ولكن ليقل أفسحوا.. وقد روي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أن يخلف الرجل الرجل في مجلسه إذا قام وإذا رجع فهو أحق به..))
ولقد تطرق المفسرون كذلك إلى فضل الذين أوتوا العلم بمناسبة ورود العبارة في الآية فرووا أحاديث متعددة منها حديث عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك به طريقاً من طرق الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم .. وروي عن أبي أمامة قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان: أحدهما عابد والآخر عالم فقال: فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ثم قال: إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها حتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير)) والله تبارك وتعالى أعلم.
صلاح أحمد الطنوبي


