الأثنين 21 شعبان 1447 9-2-2026

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الأثنين 21 شعبان 1447 9-2-2026

آفة أخذ الدين بالهوى

أحدث الأخبار

مقالات متنوعة

آفة أخذ الدين بالهوى
بقلم: عبد المعطي عبد المقصود محمد

نشرت جريدة الأخبار بعددها الصادر يوم الجمعة 26 من ذى الحجة 1396هـ الموافق من ديسمبر 1976م مقالاً بعنوان: ( الدعوة الإسلامية.. إلى أين؟ ) يتهكم فيه كاتبه ويتهجم على كتب التراث الصحيحة من أحاديث البخاري قال إنه يجب أن تنقى كتب التراث من الإسرائيليات، وتخليصها من الترهات والأباطيل وأحاديث أهل الخطوة، ثم تعدى هذا الكاتب حدوده وبين أن أهل الخطوة ورواة الأباطيل هم أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بقوله ( شطحات الأصحاب ). وكل هذه المقدمة لإثبات الحكم على الحديث بعقله أنه من الإسرائيليات، وهو حديث ملك الموت وقصته مع موسى عليهما السلام، وقد أتى الكاتب بالعجب العجاب من شطحات الأصحاب كما يظن.
ومما كتبه هذا الكاتب اتضح أولاً جهله بعلم الحديث رواية أي من ناحية السند حيث قال: ( حدثنا محمود وحدثنا عبد الرازق )- وصحته عبد الرزاق، وهذا خطأ يقع فيه الكثير، لكن بيت القصيد جمعه محمود مع عبد الرزاق وكأن البخارى سمع من الاثنين أي من محمود ومن عبد الرزاق مباشرة، مع العلم أن البخاري سمع من محمود وهو ابن غيلان، ولم يسمع من عبد الرزاق مباشرة، حيث أن عبد الرزاق هو ابن همام صاحب المصنف توفي سنة 211 هجرية وسن البخاري خمس عشرة سنة.
الخطأ الثاني قوله: أخبرنا معمر بن طاوس عن أبيه أبي هريرة، وهذا خطأ شنيع لأن طاوس ليس له ابن يسمى معمر، ولكن صحة الرواية ( أي السند ) هي عن معمر عن ابن طاوس، وابن طاوس هو عبد اللَّه.
هذا من ناحية الخطأ في الأسانيد التي تبين حال الرواة، ومن يقبل منهم ومن يرد، وهذه ميزة الإسلام عن سائر الرسالات السابقة، قال ابن المبارك: ( الإسناد من الدين ) ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، وهذه الأخطاء ليست بالهينة اليسيرة لمن عرف المنهج العلمي، وعلى ذلك فليس بغريب ولا عجيب على الكاتب أن يطالب بتنقية البخاري من الإسرائيليات كما يزعم.
والحديث لم يرو في البخاري وحده، ولكن روى في صحيح مسلم، ومجتبى النسائي، ومسند الإمام أحمد، وسنده من ناحية الرواة لا يتطرق إليهم الشك أو الجرح، كما روى البخاري ومسلم أحاديث بهذه الأسانيد في النهي عن الوصال، وعدم البول في الماء الراكد ثم يغتسل المسلم منه، والاستنثار، وغسل الإناء الذي يلغ فيه الكلب. فهل هذه الأحاديث ترد كما رد الحديث الذي رده الكاتب لأن رواتها هم رواة حديث ملك الموت وقصته مع موسى؟ هذا من ناحية السند.
وكذلك فإن الآية التي استدل بها في آجال الأمم فهي ليست دليلاً على رد الحديث، والآجال في علم اللَّه، ولا يدري متى أجله، كما جاء في سورة لقمان: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}، نلفت النظر إلى أن الملائكة تأتي في صورة البشر للأنبياء، ولا يعرفونهم قبل أن يخبروهم، وهذا وارد في القرآن: سورة هود: آيات 69، 70، 77 إلى 83، وسورة الحجر: آيات 61 إلى 72، وسورة الذاريات: آيات 24 إلى 37، وجاء الملك في صورة بشر إلى مريم: سورة مريم آية 17.
وهذه أدلة من القرآن على أن الملائكة يظهرون في صورة البشر، وكذلك في السنة: جاء جبريل عليه السلام إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي في الحديث المشهور عندما سأله أمام الصحابة عن الإسلام والإيمان والإحسان وأشراط الساعة.
وقد جاء الملك إلى موسى في صورة آدمي مجهول الحقيقة ( غريب )، ودخل بيته بغير إذنه، والذي ينظر في بيوت الناس بغير إذنهم لا قصاص له إذا فقأت عينه، كل ذلك مما استحث موسى عليه السلام أن يدافع عن نفسه فلطمه.
ثم رجع الملك إلى ربه فأخبره بما فعل موسى واللَّه أعلم منه- فأعاد اللَّه عليه عينه، وأرسله مرة ثانية بعلامة هي رد عينه عليه وإشارة ألا وهي تخيير موسى بين الحياة والموت بقوله ( الحياة تريد ) في رواية، وبقوله: ( ضع يدك على متن ثور فلك بكل شعرة سنة ) وفي الحديث لفتة لطيفة، بعد أن حي الملك موسى انتقل الخطاب من موسى للملك إلى خطاب موسى لرب العالمين، بقوله عليه السلام ( أي رب، ثم ماذا؟ قال اللَّه تعالى له: ثم الموت )، وقد كلم اللَّه موسى تكليما، فعندما علم موسى أن الأمر أمر اللَّه تعالى استسلم لأمر اللَّه تعالى وقال: ( فالآن من قريب )، وقد وصف موسى بالقوة، فهو الذي وكز الرجل فقضى عليه، وقال له الآخر: ( إن تريد إلا أن تكون جبارًا في الأرض )، ووصفته إحدى المرأتين بالقوة، وهو الذي ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه.
فلا عجب أن يصك موسى الملك الذي أتاه في هيئة بشرية أولاً، فيفقأ عينه- مع العلم بأن أحاديث البخاري ليست فيها فقأ العين- والصك يحدث بالعين عاهة أو أذى، والفقأ كذلك ( فقأ يعنى بخق أو عور- مختار الصحاح ).
وأن الحديث يدل دلالة واضحة على قوة موسى عليه السلام، وعدم تسليمه روحه إلا بوحي من اللَّه الواحد القهار، وعدم توانيه في الدعوة إلى الحق، وعدم الطاعة في معصيته، فإنه

أخبار متعلقة

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا