الجمعة 13 محرم 1446 19-7-2024

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الجمعة 13 محرم 1446 19-7-2024

باب السنة (السجود)

أحدث الأخبار

شيخ الأزهر يرد على الإساءة للرسول الكريم

استنكر شيخ الأزهر أحمد الطيب الرسوم المسيئة التي أعادت نشرها صحيفة “شارلي إيبدو” الفرنسية الساخرة، ووصفها بأنها “جريمة في حق الإنسانية”. وقال الطيب -في منشورات...

انحراف البشرية عن التوحيد وأسبابه

د. عبد الله شاكر الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، والصلاة والسلام على من أرسله...

ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق

  إعداد: مصطفى البصراتي الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعدُ: ففي هذا العدد نتكلم عن مثل من الأمثال الموجودة...

مقالات متنوعة

صلح الحديبية

الحمد للَّه رب العالمين، هو الذي اختار رسوله واصطفاه وحببه لأصحابه حبًّا بالغًا، وجعل حبه شرطًا لصحة الإيمان، وهو الذي قدر النجاح لدعوته، وجعل...

كلمة التحرير(الأزهر… وقيــادة الأمــــة)

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه... وبعد: فقد مضت على الأزهر قرون متعاقبة وهو يؤدي رسالته، ويقود أمته، وقد انتسب إليه علماء أفذاذ يشار...

باب السنة(تمنــــي المــــوت)

أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي اللَّه عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا...

 أخرج البخاري ومسلم في «صحيحيهما» عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على: الجبهة – وأشار بيده على أنفه – واليدين والركبتين وأطراف القدمين ولا نكفت شعرًا ولا ثوبًا».

وأخرج مسلم عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سجد العبد سجد معه سبعة أطراف: وجهه، وكفاه، وركبتاه، وقدماه».

السجود في اللغة:

قال الراغب: السجود أصله التطامن والتذلل، وجعل ذلك عبارة عن التذلل للَّه وعبادته، وهو عام في الإنسان والحيوانات والجمادات.

السجود شرعًا:

وضع الجبهة على الأرض تقربًا للَّه رب العالمين.

والمسجد موضع الصلاة ذكر بذلك لأخص عمل في الصلاة وهو السجود ؛ لأنه أقرب ما يكون العبد من ربه، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجدًا
وطهورًا». ويجمع مسجد على مساجد، ويطلق المسجد أيضًا على مواضع السجود من اليدين وغيرها من الأعضاء، فتسمى أعضاء السجود مساجد.

والسجود نوعان:

أولاً: سجود اختيار: وذلك ليس إلا للمكلف من إنسان أو جان أو ملك، وعليه يكون الثواب ؛ نحو قوله تعالى:{فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} [النجم: 62] أي: تذللوا له سبحانه.

وينقسم سجود الاختيار إلى قسمين: مشروع، وممنوع.

أ- السجود المشروع:

وهو سجود الصلاة، وسجود التلاوة، وسجود السهو، وسجود الشكر. وسجود التلاوة إما أن يكون في الصلاة أو خارجها، وأما سجود السهو فهو تابع للصلاة، وسجود الشكر يكون عند حدوث نعمة يستشعرها العبد.

ب- السجود الممنوع:

وأشده السجود لغير اللَّه تعالى، ويدخل في السجود الممنوع ؛ السجود في وقت الكراهة والتحريم.

ثانيًا: سجود تسخير: وهو للإنسان والحيوان والنبات والجماد، وهو من قوله تعالى: {وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [الرعد: 15]، وقوله تعالى: {يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلّهِ} [النمل: 48]، وقوله تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6]، وسجود التسخير هو الدلالة الصامتة الناطقة المنبهة على كونها مخلوقات خلقها فاعل حكيم أحسن التقدير والتدبير والخلق والتسخير.

وقوله تعالى: {وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [النحل: 49] ينطوي على النوعين من السجود: سجود التسخير، وسجود الاختيار.

والسجود من القربات الشرعية التي جاء الأمر الشرعي بها، كما قال تعالى في سورة العلق: {كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19]، وفي سورة الإنسان: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً} [الإنسان: 26]، وفي سورة فصلت: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فصلت: 37]، وفي سورة النجم: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} [النجم: 62].

ولقد جعله اللَّه صفة للنبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه في قوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ…} [الفتح: 29].

ومن أدلة السنة النبوية على أن السجود من القربات الشرعية، ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار».

ومنه حديث: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد». وهذا موافق لقوله تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} ؛ ولأن السجود غاية التواضع والعبودية للَّه رب العالمين، وفيه تمكين أعز أعضاء الإنسان وأعلاه وهو جبهته من التراب الذي يداس بالأقدام ويمتهن.

وأخرج مسلم عن معدان بن أبي طلحة قال: لقيت ثوبان مولى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقلت: أخبرني بعمل يدخلني اللَّه به الجنة، أو قال: قلت: بأحب الأعمال إلى اللَّه، فسكت، ثم سألته، فسكت، ثم سألته الثالثة، فقال: سألت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: عليك بكثرة السجود للَّه، فإنك لا تسجد سجدة إلا رفعك اللَّه بها درجة وحط عنك بها خطيئة. قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي مثل ما قال ثوبان. والحديث أَمَر بالإكثار من السجود في الصلاة ؛ أي الإكثار من التطوع بالصلاة.

وأخرج مسلم عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: «سل»، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: «أوَغير ذلك». قلت: هو ذاك، قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود». أي كثرة الصلاة وكل سجود مشروع، ولا يجوز لأحد أن يبتدع من عند نفسه سجودًا غير المشروع، وهو سجود الصلاة والتلاوة والسهو والشكر.

ومنه ما أخرجه البخاري في «صحيحه» من كتاب الأذان، باب فضل السجود، وساق حديث أبي هريرة الطويل جاء فيه: «حتى إذا أراد اللَّه رحمة من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد اللَّه فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود».

يقول ابن حجر: واختلف في المراد بقوله: «آثار السجود»، فقيل: هي الأعضاء السبعة المذكورة في حديث ابن عباس، وهذا هو الظاهر. وقال عياض: المراد الجبهة خاصة.

ويؤيده ما رواه مسلم من وجه آخر: أن قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم. فإن ظاهر هذه الرواية يخص العموم الذي في الرواية الأولى.

والمسجد بيت الصلاة الذي يُتَعَبد اللَّهُ فيه ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا». وهذا يدل على أهمية السجود، فإن الصلاة سميت أجزاؤها الكاملة ركعة ؛ لأن كل جزء منها يتعدد فيه القيام والقعود والسجود، أما الركوع فلا يتعدد ؛ لذا سمي كل جزء كامل منها ركعة، وسمي البيت الذي يصلى فيه مسجدًا ؛ لأهمية السجود من بين أجزاء الصلاة، وسميت الصلاة قنوتًا ؛ لفضل القيام في الصلاة، وذلك في قوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا} [الزمر: 9]، وخصت صلاة الليل باسم قيام الليل، وفي ليالي رمضان (قيام رمضان) ؛ لطول القيام والقراءة فيها.

أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة – وأشار بيده على أنفه – واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب والشعر». وفي رواية العباس عند مسلم: «إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب». أي سبعة أعضاء: وجهه، وكفاه، وركبتاه، وقدماه.

وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء»، وفي حديث مسلم: «ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن([1]) أن يستجاب لكم». قال الشوكاني: ويستحب الجمع بين الدعاء والتسبيح ليكون المصلي عاملاً بجميع ما ورد.

وعند أحمد من حديث وائل قال: رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يسجد على الأرض واضعًا جبهته وأنفه في سجوده.

واليدان: يراد بهما الكفان ؛ لحديث الجماعة عن أنس: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعه انبساط الكلب».

كشف أعضاء السجود:

والحديث دال على وجوب السجود على هذه الأعضاء السبعة جميعًا، ولا يلزم من ذلك كشفها لملامسة الأرض ؛ لأن لفظ السجود يحصل بوضعها على الأرض دون كشف.

وجمهور الفقهاء أنه لا يجب كشف الجبهة واليدين والقدمين في السجود ؛ لحديث أنس رضي اللَّه عنه قال: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود.

وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: باب السجود على الثوب في شدة الحر. وقال الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويداه في كمه.

قال ابن حجر: هذا الأثر وصله عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن الحسن: أن أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كانوا يسجدون وأيديهم في ثيابهم ويسجد الرجل منهم على قلنسوته وعمامته ؛ وذلك لحديث خباب بن الأرت رضي اللَّه عنه قال: شكونا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا([2] والحديث أخرجه مسلم، ولكن في نفس الباب ذكر مسلم حديث أنس السابق الذي يدل على أن خباب نفى التأخير عن وقت الرخصة، وأن أنسًا ذكر استخدام الثوب ليتقي به الحر.

ويقول ابن دقيق العيد: ولم يختلف في أن كشف الركبتين غير واجب لما يحذر فيه من كشف العورة، وأما عدم وجوب كشف القدم فلدليل لطيف وهو أن الشارع وقت المسح على الخف بمدة يقع فيها الصلاة بالخف، فلو وجب كشف القدمين لوجب نزع الخف المقتضي لنقض الطهارة فتبطل الصلاة.

والجبهة والأنف في السجود معدودة عضوًا واحدًا، وإلا لكانت الأعضاء ثمانية، والجمهور على أن السجود على الجبهة وحدها يجزئ، وإن ذهب كثير من أهل العلم لوجوب الجمع بين الأنف والجبهة، وهو ظاهر النص، والجمهور على أنه لا تجزئ الأنف وحدها بغير عذر، ولا يستدل بما جاء في حديث المسيء صلاته من قوله: «ويمكن جبهته»، أو من دعاء السجود: «سجد وجهي» أن بقية الأعضاء غير لازمة لحديث الباب: «أمرنا أن نسجد على سبعة أعظم»، فهو أخص في المسألة، وإنما اقتصرتْ هذه الأحاديث على ذكر الجبهة أو الوجه لكونها أشرف الأعضاء ولا يتحصل الركن إلا بها من غير عذر، فليس في تلك الأحاديث وغيرها ما ينفي الزيادة.

قال النووي: أعضاء السجود سبعة ينبغي للساجد أن يسجد عليها كلها، وأن يسجد على الجبهة والأنف جميعًا قائمًا، أما الجبهة فيجب وضعها مكشوفة على الأرض ويكفي بعضها، والأنف مستحب ولو ترك جاز، ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجز، هذا مذهب الشافعي ومالك رحمهما اللَّه تعالى والأكثرين، أما أبو حنيفة فيرى جواز أحدهما، وأحمد يرى وجوبهما جميعًا لظاهر الحديث. قال الأكثرون: بل ظاهر الحديث أنهما عضوًا واحدًا ؛ لأنه قال في الحديث سبعة، فإن جُعلا عضوين صار ثمانية، أما اليدان والركبتان والقدمان فالأصح وجوب السجود عليها، ولا يجب كشف شيء منها.

وقد أخرج البخاري عن أنس بن مالك قال: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود. وقال البخاري: قال الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويداه في كمه، وذكر ذلك في باب السجود على الثوب في شدة الحر، وفيه دليل على جواز السجود على الجبهة، وهي غير مكشوفة للأرض.

السجود أفضل أم القيام ؟!

في هذه المسألة أربعة مذاهب:

أحدها: أن تطويل السجود أفضل، حكاه الترمذي والبغوي عن جماعة، وممن قال به ابن عمر رضي اللَّه عنهما.

والثاني: مذهب الشافعي وجماعة أن تطويل القيام أفضل ؛ لحديث جابر عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الصلاة طول القنوت»، والمراد بالقنوت القيام ؛ ولأن ذكر القيام القراءة وذكر السجود التسبيح والقراءة أفضل، ولأن المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يطول القيام أكثر من تطويل السجود.

والمذهب الثالث: أنهما سواء.

والرابع: ما قال به إسحاق بن راهويه أن بالنهار تكثير الركوع والسجود، وبالليل طول القيام، إلا أن يكون للرجل جزء بالليل يحافظ عليه فكثير الركوع والسجود أفضل لأنه يقرأه جزأ ويربح كثرة الركوع والسجود.

وقد أفاض شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى» (ج23، ص43) من طبعة دار الوفاء ذكر فيها المذاهب الثلاثة الأولى، قال في الثالثة: إن طول القيام أفضل، وقال: لها صورتان:

أحدها: أن يطيل القيام مع تخفيف الركوع والسجود.

والثانية: أن يطيل القيام والركوع والسجود، ثم قال: والصواب في ذلك أن تقليل الصلاة مع كثرة الركوع والسجود وتخفيف القيام أفضل من تطويل القيام وحده مع تخفيف الركوع والسجود. ثم ذكر حديث: «أفضل الصلاة طول القنوت»، وقال: القنوت دوام العبادة والطاعة، ويقال لمن أطال السجود: إنه قانت، {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 9]، فجعله قانتًا في حال السجود كما هو قانت في حال القيام، وقدم السجود على القيام، وفي الآية: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: 64]، ثم قال: جنس السجود أفضل من جنس القيام، وذكر لذلك اثني عشر وجهًا:

الأول: السجود بنفسه عبادة لا يصلح إلا للَّه، والقيام لا يكون عبادة إلا بنية.

الثاني: الصلاة المفروضة لا بد فيها من السجود، ولا يسقط السجود بحال، بينما يسقط القيام في التطوع وفي الصلاة على الراحلة في السفر.

الثالث: القيام صار عبادة بالقراءة أو بما فيه من الذكر، أما السجود فهو عبادة بنفسه ولو خارج الصلاة كسجود التلاوة وسجود الشكر.

الرابع: أن القيام أفضل بقراءة القرآن، بينما السجود أفضل بنفسه.

الخامس: ثبت أن النار تأكل من ابن آدم كل شيء إلا مواضع السجود.

السادس: يوم القيامة يدعى الخلق للسجود دون غيره من الصلاة.

السابع: إذا طلب الناس شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة بدأ بالسجود حتى يقال له: «ارفع رأسك..».

الثامن: في الآية: {لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ}، وفي الحديث: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد».

التاسع: لما سأل ثوبان عن أحب الأعمال، دله النبي صلى الله عليه وسلم على السجود.

العاشر: لما سأل ربيعة بن كعب مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود».

الحادي عشر: مواضع الصلاة تسمى مساجد، ولا تسمى كذلك إلا لفعل السجود فيها.

الثاني عشر: قوله تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة: 15].

هذا مختصر كلام شيخ الإسلام، وتركت من قوله نفائس جليلة لطولها.

هيئة السجود:

وقد وصفتْ كتب السنة سجود النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث منها حديث عائشة رضي اللَّه عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع. وحديث ميمونة رضي اللَّه عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد لو شاءت بهيمة أن تمر بين يديه لمرت، حتى يرى وضح إبطيه من ورائه.

ولحديث عبد الله بن بحينة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه.

وحديث أنس قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعه انبساط الكلب».

وحديث أبي حميد الساعدي يصف صلاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة.

وفي رواية لابن حبان: «غير مفترش ذراعيه ولا قابضهما». وفي رواية: «فإذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء منهما». وفي رواية: «جافى يديه عن جنبيه ونحى يديه عن جنبيه ووضع يده حذو منكبيه». وفي رواية: «فاعلو لي على جنبيه وراحتيه وركبتيه وصدور قدميه حتى رأيت بياض إبطيه من تحت منكبيه ثم ثبت حتى اطمأن كل عظم منه ثم رفع رأسه فاعتدل».

فصفة السجود: أن يسجد على الأعضاء السبعة، فيمكن جبهته وأنفه من الأرض، واضعًا كفيه، ناصبًا قدميه، ويجافي بين ذراعيه، رافعًا مرفقيه، فيطمئن في سجوده، وذلك للأحاديث المذكورة.

ولما أخرج النسائي وابن ماجه عن عبد الرحمن بن شبل: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نهى عن ثلاث: عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل المقام للصلاة كما يوطن البعير.

وأخرج أبو داود والنسائي عن ابن عمر رفعه قال: «إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفعه فليرفعهما».

وأخرج النسائي وابن ماجه عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: فقدت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فانتهيت إليه وهو ساجد وقدماه منصوبتان وهو يقول: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك».

الطمأنينة:

وهي فرض في السجود والركوع، وهي أن يكون بقدر تسبيحة بعد أن يهوي إلى الركوع أو السجود.

وحد الطمأنينة سكون الأعضاء ولو زمنًا يسيرًا، ولو هوى ثم ارتفع ارتفاعًا متصلاً بالهوى لم تحصل الطمأنينة، ولو زاد في الهوى فلا يقوم مقام الطمأنينة.

أذكار السجود:

يسن أن يقول في السجود: «سبحان ربي الأعلى» ؛ لحديث مسلم عن حذيفة رضي اللَّه عنه يصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فقال ثم سجد فقال: «سبحان ربي الأعلى»، ولحديث أبي داود عن عقبة بن عامر رضي اللَّه عنه قال: لما نزلت: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74]، قال: «اجعلوها في سجودكم، ويقول:  سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» ؛ لحديث عائشة عند البخاري ومسلم ويستحب الدعاء في السجود، وهو جائز في الركوع أيضًا.

وقد ترجم البخاري باب الدعاء في الركوع، ثم باب التسبيح والدعاء في السجود، ذكر فيهما حديث عائشة رضي اللَّه عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». وأخرج حديثهما مسلم فيه: «سبحانك وبحمدك، لا إله إلا أنت».

وفي ذلك أيضًا حديث مسلم عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء». وحديث: «اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره».

ومن الدعاء الذي أخرجه مسلم عن عائشة مرفوعًا: «اللهم أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». ومن حديثهما أيضًا: «سبوح قدوس رب الملائكة والروح».

ومن حديث مسلم عن علي رضي اللَّه عنه في دعاء الصلاة الطويل: وإذا سجد قال: «اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين».

ومن حديث عائشة كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، ويتأول القرآن».

ومنها حديث عوف بن مالك مرفوعًا: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة». أخرجه أبو داود والنسائي.

الدعاء في السجود:

أخرج مسلم في «صحيحه» عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: كشف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر رضي اللَّه عنه، فقال: «أيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم».

وفي حديث مسلم أيضًا عن علي رضي اللَّه عنه: نهاني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن القراءة في الركوع والسجود.

وفي حديث مسلم وأبي داود والنسائي عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء».

ولقول عائشة رضي اللَّه عنها: سلوا اللَّه كل شيء حتى شسع النعل، فإن اللَّه إن لم ييسره لم يتيسر.

الحديث قال عنه الألباني موقوف جيد الإسناد.

وقال الحافظ في الفتح: الأمر بإكثار الدعاء في السجود يشمل الحث على تكثير الطلب لكل حاجة كما جاء في حديث أنس: «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله». أخرجه الترمذي، ويشمل التكرار للسؤال الواحد والاستجابة تشمل استجابة الداعي بإعطاء سؤاله واستجابة المثني بتعظيم ثوابه. انتهى من «الفتح» عند حديث (817).

وبهذا يتضح أن يجتهد في الدعاء بأمر الدين والدنيا في صلاته راكعًا وساجدًا وقانتًا فإنه بين يدي ربه، وهذا أفضل الأحوال التي يجمع فيها همه على ربه فيسأله كل شيء من حاجة دنياه وأخراه من جلب نفع أو دفع ضر، من ترويض دابة أو كف عدو أو تدبير نفع، وما أحوجنا إلى ذلك والتعرف على اللَّه فيه، إنه خير مسئول، فلا رب لنا سواه، وهو بيده ملكوت كل شيء.

قال ابن دقيق العيد: يؤخذ من هذا الحديث إباحة الدعاء في الركوع وإباحة التسبيح في السجود، ولا يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم: «أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه من الدعاء».

والمراد أن الدعاء في السجود هو موطنه ؛ لحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره مرفوعًا: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء»، والأمر بإكثار الدعاء في السجود يشمل الحث على تكثير الطلب لكل حاجة، كما جاء في حديث أنس عند الترمذي: «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله». والحديث فيه ضعف.

وقد اتفق الفقهاء على كراهة قراءة القرآن في السجود ؛ لحديث علي رضي اللَّه عنه قال: نهاني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد، وحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: «ألا وإني نهيت أن اقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم».

وهذه الأحاديث دالة على النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، وهذا مما يبين أن المسلم مطالب بالاتباع ولو خالف الرأي والقياس الشرع الشريف، فالعبرة بالشرع لا بالرأي، فلو كان الأمر بالرأي لكان الجمع بين خير الكلام وهو القرآن في أقرب أحوال العبد من ربه ؛ أي في سجوده، ولكن التسبيح والدعاء ذكر السجود والنهي عن قراءة القرآن يفيد التحريم أو كراهة التحريم، فتأمل. وللحديث بقية بإذن اللَّه.

بقلم فضيلة الشيخ: محمد صفوت نور الدين

أخبار متعلقة

شيخ الأزهر يرد على الإساءة للرسول الكريم

استنكر شيخ الأزهر أحمد الطيب الرسوم المسيئة التي أعادت نشرها صحيفة “شارلي إيبدو” الفرنسية الساخرة، ووصفها بأنها “جريمة في حق الإنسانية”. وقال الطيب -في منشورات...

انحراف البشرية عن التوحيد وأسبابه

د. عبد الله شاكر الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، والصلاة والسلام على من أرسله...

ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق

  إعداد: مصطفى البصراتي الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعدُ: ففي هذا العدد نتكلم عن مثل من الأمثال الموجودة...

قصة مرض الصحابي خوات بن جبير ووصية النبي صلى الله عليه وسلم له

قصة مرض الصحابي خوات بن جبير ووصية النبي صلى الله عليه وسلم له إعداد: علي حشيش الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعدُ: نواصل في هذا...

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا