تعدد مرجع الضمير
الضمير بزنة (فعيل) من الضمور، وهو الهزال.
والمضمر بزنة (مُفْعَل) من الإضمار، وهو الإخفاء. والضمير في اصطلاح النحويين: هو الموضوع لتعيين مسماه مشعرًا بتكلمه أو خطابه، أو غيبته. والضمير وضع في الأصل للاختصار، ولهذا قام الضمير في قوله تعالى: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35] مقام خمس وعشرين كلمة. والضمير أقسام ويرجع في معرفة ذلك إلى كتب النحو.
وهذا المقال يتعلق بتعدد مرجع بعض الضمائر في ضوء شواهد من كتاب اللَّه عز وجل.
قال تعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45]، الضمير في قوله: {وإنَّهَا} في تفسيره سبعة أقوال:
l الأول: أن يكون راجعًا إلى الصلاة. قاله ابن مجاهد، واختاره ابن جرير، وهو الأرجح اتباعًا للقاعدة العامة ؛ وهي أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور ؛ ولأن الصلاة أهم وأغلب.
l الثاني: أن يكون عائدًا على الاستعانة، وهو المصدر المفهوم من قوله: {واستعينوا}، كما في قوله تعالى: {اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] أي: العدل.
l الثالث: أن يكون عائدًا على إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الصبر والصلاة مما كان يدعو إليه.
l الرابع: أن يكون عائدًا على العبادة التي يتضمنها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة.
l الخامس: أن يكون عائدًا إلى الكعبة ؛ لأن الأمر بالصلاة إليها.
l السادس: أن يكون على جميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله تعالى: {اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 40].
l السابع: أن المعنى على التثنية واكتفي بعوده على أحدهما، فكأنه قال: «وإنهما» أي: الصبر والصلاة، كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34].
قال اللَّه تعالى: {فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} [التوبة: 40]، اختلف في مرجع الضمير في {عَلَيْهِ} على ثلاثة أقوال:
l الأول: أن الضمير يعود إلى أبي بكر الصِّديق، وهو قول ابن عباس، وعلي بن أبي طالب وحبيب بن أبي ثابت، وأكثر المفسرين.
l الثاني: أنه يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه المُحَدث عنه، وهو قول مقاتل والجمهور، واختاره ابن كثير، وقال: «هي سكينة متجددة خاصة بتلك الحال».
l الثالث: أن الضمير يعود إليهما معًا والهاء هنا في معنى التثنية، كما في قوله تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 62].
وربما يؤيد هذا القول الأخير أن الآية في مُصحف حفصة: (فأنزل اللَّه سكينته عليهما).
والراجح أن الضمير يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يلزم من ذلك أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك خائفًا غير ساكن القلب، وقد ورد التصريح بنزول السكينة على النبي صلى الله عليه وسلم في موضعين من القرآن الكريم وهما:
l الأول: قوله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنَزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 25، 26].
l الثاني: قوله تعالى: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الفتح: 26].
فلا خلاف هنا في أن السكينة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل أحد: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان خائفًا غير ساكن القلب.
قال اللَّه تعالى: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} [يوسف: 42].
الضمير في قوله تعالى: {فَأَنسَاهُ} وقوله: {ربِّهِ} في تفسيرهما قولان:
l الأول: أن يكون راجعًا على الذي ظن يوسف عليه السلام أنه ناج وهو الساقي، والمراد بربه: سيده.
وهذا قول جماعة من المفسرين منهم: مجاهد، ومحمد بن إسحاق، قالوا: لأن صرف وسوسة الشيطان إلى الساقي أولى من صرفها إلى يوسف.
l الثاني: وهو قول أكثر المفسرين أن الضمير يعود إلى يوسف عليه السلام، وهو قول ابن عباس ومجاهد – أيضًا – وعكرمة وغيرهم.
والمعنى: أن الشيطان أنسى يوسف عليه السلام ذكر ربه عز وجل حتى ابتغى الفرج من غيره واستعان بمخلوق مثله، وتلك غفلة عرضت ليوسف عليه السلام، فإن الاستعانة بالمخلوق في دفع الضرر وإن كانت جائزة إلا أنه لما كان مقام يوسف عليه السلام أعلى المقامات ومرتبته أعلى المراتب، ولا جَرَم أن صار يوسف عليه السلام مؤاخذًا بهذا القَدْر ؛ فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
فإن قيل: كيف تمكن الشيطان من يوسف حتى أنساه ربه ؟
أجيب بأن يكون بشغل الخاطر وإلقاء الوسوسة. وردَّ أبو حيان هذا القول بقوله: (وقيل: إن الضمير في {أنساه} عائد على يوسف ورتبوا على ذلك أخبار لا تليق نسبتها إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام).
l قُلْتُ: والقول الأول هو الراجح اتباعًا للقاعدة العامة، وهي أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور من قوله: {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ}، حيث إن الكاف تعود إلى الذي نجا وهو الساقي. ويقوي ذلك قوله تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ} [يوسف: 23].
ففي أحرج ساعات الشدة يلجأ يوسف عليه السلام إلى اللَّه بقوله: {مَعَاذَ اللَّهِ}، فلا يليق به إذن أن يوصف بأنه نسي ذكر اللَّه.
وقوله تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24]، فهو داخل في الاستثناء في قوله تعالى: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82، 83].
وبعد ذكر هذه النماذج يتبين لنا أن لغة القرآن تتسم قواعدها بالقوة والعمق، وذلك لا يكاد يرى في لغة أخرى.
أسأل اللَّه أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، ويزيدنا علمًا. وباللَّه التوفيق.
بقلم أ. د / علي لقم


