الجمعة 13 محرم 1446 19-7-2024

رئيس التحرير
مصطفي خليل أبو المعاطي

الجمعة 13 محرم 1446 19-7-2024

صلح الحديبية

أحدث الأخبار

شيخ الأزهر يرد على الإساءة للرسول الكريم

استنكر شيخ الأزهر أحمد الطيب الرسوم المسيئة التي أعادت نشرها صحيفة “شارلي إيبدو” الفرنسية الساخرة، ووصفها بأنها “جريمة في حق الإنسانية”. وقال الطيب -في منشورات...

انحراف البشرية عن التوحيد وأسبابه

د. عبد الله شاكر الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، والصلاة والسلام على من أرسله...

ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق

  إعداد: مصطفى البصراتي الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعدُ: ففي هذا العدد نتكلم عن مثل من الأمثال الموجودة...

مقالات متنوعة

باب أسئلة القراء عن الأحاديث

 بقلم: أبي إسحاق الحويني أسئلة الأحاديث  * يسأل القارئ: صابر أحمد حسين - الشرابية - عن درجة هذه الأحاديث: 1- عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله...

باب اللغة العربية (متى ينتهي العدوان على بنت عدنان)

الحمدُ للَّهِ مُنطقِ البُلَغَاءِ باللُّغَى في البَوادي، ومُودِع اللسانِ أَلَسَنَ اللُّسُنِ الهَوَادي، باعثِ النبي الهادي، مُفحِمـًا باللسان الضَّادي كلَّ مُضَادي، مُفَخَّمـًا لا تشينه...

خطـــآن  هما سبب النكسة

حالة الضعف المزري التي يمر بها العرب الآن ومعهم المسلمون في كل مكان السبب فيها خطآن وقع فيهما العرب خلال القرن العشرين الميلادي، أسبقهما...

الحمد للَّه رب العالمين، هو الذي اختار رسوله واصطفاه وحببه لأصحابه حبًّا بالغًا، وجعل حبه شرطًا لصحة الإيمان، وهو الذي قدر النجاح لدعوته، وجعل الجهاد بينه وبين عدوه فنصره في منازل كثيرة، وهو الذي نصره يوم الهجرة بأن صرف أعين المشركين عنه، وأنجاه من سراقة بن مالك بأن ساخت يدا فرسه في الأرض الصلبة وكبا جواده، ونصره يوم بدر بالملائكة تقاتل معه، وحماه يوم أُحد بشائعة سرت بين المشركين (أن محمدًا قد قتل)، وحماه يوم الأحزاب بأن أرسل عليهم ريحًا وجنودًا وهزم الأحزاب وحده، وحماه من بني النضير الذين اتفقوا على أن يلقوا عليه حجرًا وهو جالس إلى جوارهم فيقتلوه، فحمى اللَّه نبيه بوحي أوحاه إليه، فخرج من بين أصحابه وهم لا يشعرون بعودته إلى المدينة، واستمرت تلك الحماية حتى كان يوم الحديبية، اليوم الذي جمع اللَّه فيه لنبيه بين: عمرة، وغزوة، وصلح، وبيعة، سميت بيعة الرضوان، وكانت من أفضل منازل المسلمين، فكانت هي وبدر قد بشر أهلها بالجنة، لا يدخل النار أحد شهد واحدة منهما.

فمن عجب أن ينزع بعض السفهاء والجهلاء كلمة من سياق طويل جميل يقص أحداث صلح الحديبية، ويسمونه سفهًا وجهلاً منهم: «حديث النخامة» ردًّا له وتكذيبًا.

لذا فإنني أسوق الحديث بطوله، وأعلق على بعض فقراته لبيان بعض معانيه، وإن كان الحديث يحتاج منا إلى مزيد تفصيلٍ واستقصاءٍ وبيان، وآمُل من القارئ الكريم الصبر على قراءة التعليقات في موضعها وتدبر مقاصدها، فالحديث جميل جليل، وهو من الأحاديث القليلة الطويلة في البخاري، وقد يحتاج الأمر إلى إعادة القراءة أكثر من مرة، فالصبر والتدبر من مفاتيح العلم.

أبدأ بما ساقه بعض السلف، فقال: (ما كان فتح في الإسلام أفضل من صلح الحديبية، ولكن الناس يعجلون لأنهم لا يعرفون ما بين محمد وربه، واللَّه لا يعجل لعجلة العباد)، ثم أسوق الحديث:

عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان(1)، يُصَدِّقُ كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم [من المدينة] زمن الحديبية [في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما كان بذي الحُلَيْفَةِ (1قَلَّدَ الهدي، وأشعره1)، وأحرم منها] [بعمرة، وبعث عينًا له من خزاعة(1)، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان بغدير (الأشطاط)(1)، أتاه عينه، قال: إن قريشًا جمعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيشَ(1 وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت ومانعوك، فقال: «أشيروا أيُّها الناسُ عليَّ(1)، أترون أن أميلَ إلى عيالهم وذراريِّ هؤلاء الذين يريدونَ أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان اللَّه قد قطع عينًا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين»(1).

قال أبو بكر: يا رسول اللَّه، خرجت عامدًا لهذا البيت، لا تريد قتل أحدٍ، ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدَّنا عنه قاتلناه. قال: «امضوا على اسم اللَّه»(1)]، حتى كانوا ببعض الطريق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن خالد بن الــوليــد بالغمـيم، في خيل لقريش طليعة(1)، فخـــذوا ذات اليمين»، فواللَّه ما شعر بهم خالدٌ، حتى إذا هم بقترة الجيش(1)، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبي صلى الله عليه وسلم(1)، حتى إذا كان بالثَّنية(1) التي يهبط عليهم منها، بركت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فألحَّتْ، فقالوا: خَلأتِ القصواء(1)، خلأت القصواءُ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما خَلأتِ القصواء، وما ذاك لها بخلقٍ(1)، ولكن حبسها حابس الفيل»(1). ثم قال: «والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات اللَّه ؛ إلا أعطيتهم إياها»، ثم زجرها(1)، فوثبت، قال: فعَدَلَ عنهم، حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمدٍ(1) قليل الماء، يتبرضه الناس تبرضًا، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشُكِيَ إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهمًا من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فواللَّه مازال يجيش لهم بالرِّي حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاء بُديل بن ورقاء الخزاعي في نفرٍ من خزاعة، وكانوا عيبة(1) نُصح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لُؤيٍّ، وعامر بن لؤي، نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل(1)، وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «إنا لم نجئ لقتال أحدٍ، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهَكتهم(1) الحربُ، وأضرَّتْ بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدَّةً ويُخَلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جمُّوا(1)، وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده ؛ لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن اللَّه أمره»(1)، فقال بديلٌ: سأبلغهم ما تقول، قال: فانطلق حتى أتى قريشًا، قال: إنا قد جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تُخبرنا عنه بشيء، وقالَ ذو الرَّأي منهم: هاتِ ما سمعته يقول. قال: سمعته يقول: كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فقام عروة بن مسعود، فقال: أيْ قومِ، ألستم بالوالِدِ(1) ؟ قالوا: بلى. قال: أَوَ لست بالولد ؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني ؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ(1)(1)، فلما بلحوا(1) عليَّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عَرَضَ لكم خُطَّةَ رشدٍ، اقبلوها(1)، ودعوني آتيه. قالوا: ائته، فأتاهُ، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحوًا من قوله لبديلٍ، فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك ؛ هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك ؟ وإن تكن الأخرى، فإني واللَّه لا أرى وجوهًا، وإني لأرى أشوابًا(1) من الناس، خليقًا أن يفروا ويدعوك ! فقال له أبو بكر رضي اللَّه عنه: امصص بظر اللات ؛ أنحن نفرُّ عنه وندعه ؟ فقال: من ذا ؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده ؛ لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك(1)، قال: وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فكلما تكلم أخذ بلحيته(1)، والمغيرة بن شعبة قائمٌ على رأس النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه السيفُ، وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ؛ ضرب يدهُ بنعلِ السيف(1)، وقال له: أخِّرْ يدك عن لحية رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا ؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أيْ غُدَرُ(1) ! ألست أسعى في غدرتك(1)، وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية، فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثم جاء، فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمَّا الإسلامُ فأقبلُ، وأما المالُ فلستُ منه في شيء».

ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينه، قال: فواللَّه ما تنخم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نخامةً، إلا وقعت في كفِّ رجلٍ منهم، فدَلَكَ بها وجهَهُ وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمرهُ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدُّون إليه النظر تعظيمًا له، فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، واللَّه لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشي، واللَّه إن رأيت ملكًا قط يعظمهُ أصحابه ما يعظم أصحاب محمدٍ محمدًا، واللَّه ما تنَّخمَ نُخامةً(1) إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدون النظر إليه تعظيمًا له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشدٍ فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البُدْن، فابعثوها له»، فبُعِثَتْ له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان اللَّه، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه، قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يُصَدوا عن البيت(1)، فقام رجل منهم يقال له: مكرز بن حفص، فقال: دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا مكرزٌ، وهو رجل فاجر»، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يكلمه، إذ جاء سهيل بن عمرو – قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة، أنه لما جاء سهيل بن عمرو، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد سَهُلَ لكم من أمركم»(1). قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هاتِ، اكتب بيننا وبينكم كتابًا، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب(1)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم». قال سهيل: أما الرحمنُ ؛ فواللَّه ما أدري ما هو ؟ ولكن اكتب باسمك اللهم، كما كنت تكتب، فقال المسلمون: واللَّه لا نكتبها إلا بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتب: باسمك اللهم»، ثم قال: «هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسول اللَّه»، فقال سهيلٌ: واللَّه لو كنا نعلم أنك رسول اللَّه ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد اللَّه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «واللَّه إني لرسول اللَّه، وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد اللَّه» – قال الزهري: وذلك لقوله: «لا يسألوني خُطَّةً يعظمون فيها حرمات اللَّه إلا أعطيتهم إياها» – فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «على أن تُخَلُّوا بيننا وبين البيت فنطوف به». فقال سهيل: واللَّه لا تتحدث العرب أنا أُخِذنا ضَغْطَة(1)، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل – وإن كان على دينك – إلا رددته إلينا، [وخليت بيننا وبينه، فكره المسلمون ذلك، وامتعضوا منه]، قال المسلمون: سبحان اللَّه، كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا ؟! [وأبى سهيلٌ إلا ذلك، فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك(1)]، فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو، يَرْسُفُ في قيودِهِ، وقد خرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد ! أول ما أقاضيك عليه أن تَرُدَّهُ إليَّ، فقالَ النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّا لم نقضِ الكتابَ بعدُ»، قال: فواللَّه إذًا لم أصالحك على شيءٍ أبدًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأجزه لي». قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: «بلى، فافعل»، قال: ما أنا بفاعلٍ، قال مكرزٌ: بل قد أجزناهُ لك(1)، قال أبو جندلٍ: أي معشر المسلمين، أردُّ إلى المشركين وقد جئت مسلمًا، ألا ترون ما قد لقيت ؟ وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا في اللَّه، [فردَّ يومئذٍ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحدٌ من الرجال إلا ردَّهُ في تلك المدة وإن كان مسلمًا]، فقال عمر بن الخطاب(1)، فأتيت نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقلتُ: ألستَ نبي اللَّه حقًّا ؟ قال: «بلى»، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال: «بلى». قلت: فلِمَ نعطي الدَّنِيَّةَ في ديننا إذًا ؟ قال: «إني رسول اللَّه، ولست أعصيه، وهو ناصري». قلت: أَوَ ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت، فنطوف به ؟ قال: «بلى ؛ فأخبرتك أنا نأتيه العام ؟» قال: قلت: لا، قال: «فإنك آتيه، ومطوف به»(1). قال: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي اللَّه حقًّا ؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال: بلى، قلت: فلم نُعطي الدنية في ديننا إذًا ؟ قال: أيها الرجل، إنه لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه(1)، فواللَّه إنه على الحق. قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال: بلى ؛ أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه، ومطوفٌ به(1).

قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً(1). قال: فلما فرغ من قضية الكتاب(1)، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «قوموا فانحروا، ثم احلقوا». قال: فواللَّه ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاث مرات(1)، فلما لم يقم منهم أحدٌ ؛ دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي اللَّه، أتحب ذلك ؟ اخرج، ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدْنك، وتدعو حالقك، فيحلقك، فخرج، فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك ؛ نحر بُدْنَه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك، قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا(1)، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غَمًّا(1).

ثم (وفي رواية: ولم يأته أحدٌ من الرجال إلا رده في تلك المدة، وإن كان مسلمًا)، وجاءه نسوة مؤمناتٌ [مهاجرات(1)، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يومئذٍ، وهي عاتق(1)، فجاء أهلها يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم، فلم يرجعها إليهم]، فأنزل اللَّه تعالى (وفي رواية: لما أنزل اللَّه فيهن): {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ}(1)، حتى بلغ: {بِعِصَمِ الكوافِرِ}، فطلق عمر امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فجاءه أبو بصيرٍ ؛ رجلٌ من قريشٍ، وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به(1)، حتى بلغا (ذا الحُليفة)، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: واللَّه إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا، فاستله الآخر، فقال: أجل، واللَّه إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت، فقال أبو بصيرٍ: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد(1)، وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين رآه، لقد رأى هذا ذُعرًا، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قُتل واللَّه صاحبي، وإني لمقتولٌ، فجاء أبو بصير، فقال: يا نبي اللَّه، قد – واللَّه – أوفى اللَّه ذمتك، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني اللَّه منهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ويل أمه(1)، مِسْعَرُ حربٍ، لو كان له أحدٌ»، فلما سمع ذلك، عَرَفَ أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر(1)، قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجلٌ قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فواللَّه ما يسمعون بعيرٍ خرجت لقريش إلى الشام إلى اعترضوا لها، فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده باللَّه والرحم لَمَا أرسل(1)، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فأنزل اللَّه تعالى: {هُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ}، حتى بلغ: {الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِليَّةِ}، وكانت حَميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي اللَّه، ولم يقروا بـ {بسمِ اللَّهِ الرحْمنِ الرحيمِ}، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ.

والحمد للَّه رب العالمين. فهذا نص حديث الحديبية جمعه الشيخ الألباني في «مختصر البخاري»، جاء سؤال من أحد الفضلاء للمجلة عن أمر النخامة، وهل كان الصحابة يدلكون جلودهم بها، فذكرني ذلك بما يقع من بعض السفهاء الذين يردون الأحاديث بدعوى مخالفتها للعقل، والحمد للَّه أنهم لا يملكون عقلاً، إنما يجرون وراء الهوى، وذلك طريق الضلال.

لكني أريد قبل أن أختم حديثي هذا أن أشير إلى أن المسلمين كانوا في حيرة وشدة وقد أرسلوا عثمان إلى قريش يفاوضهم وجاءت الشائعات بأن عثمان قُتل وبايع المسلمون الرسول صلى الله عليه وسلم على ألا يفروا، ولم يسأل أحدًا من الجن المسلمين أن ينظر لهم حال عثمان، وتكررت مثل تلك المواقف الحرجة، ولم يستعن فيها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بجني مسلم ولا غيره، مع أنه استعان في ذلك بخزاعة وكانوا على الشرك، فتدبر أن هذا يرد قول كل من قال بجواز الاستعانة بالجن، وقد بالغ كثير من الناس في ذلك مبالغات ممقوتة.

والحديث فيه فوائد كثيرة، اكتفينا بما ذكرناه طلبًا للاختصار، واللَّه نسأل أن يرزقنا السداد والرشاد والهداية.

واللَّه الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

هوامش المقال

([1] – 1) قلد الهدي: أي وضع في عنقه قلادة يعلم بها أنه هدي، وأشعره بالبدن: شق في جلده شقًّا يسيرًا يسيل منه الدم ليعلم أنها هدي، وهو للإبل والبقر.

([1]) هو بشر بن سفيان الكعبي الخزاعي، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم يتحسس أخبار قريش، فلما تعرف عليها وافى النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان، وأخبره خبر قريش، وكانت خزاعة قد تحالفوا في الجاهلية مع بني هاشم، فاستمروا على ذلك في الإسلام، وفيه جواز استنصاح بعض المعاهدين وأهل الذمة إذا دلت القرائن على نصحهم وشهدت التجربة بصدقهم.

([1]) موضع قريب من (عسفان ) كما في رواية أحمد (4/328)، و(عسفان ) على مرحلتين من مكة.

([1]) (الأحابيش ): الجماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة تحالفوا مع قريش حبًّا للبيت وتعظيمًا لشعائر اللَّه وهم في جاهليتهم ووثنيتهم.

([1]) زاد أحمد: وكان أبو هريرة يقول: ما رأيت أحدًا قط كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

([1]) أي مسلوبين منهوبين. ولفظ أحمد: «… تكن عنقًا قطعها اللَّه ». قال الحافظ: (والمراد أنه صلى الله عليه وسلم استشار أصحابه هل يخالف الذين نصروا قريشًا إلى مواضعهم، فيسبي أهلهم، فإن جاءوا إلى نصرهم اشتغلوا بهم، وانفرد هو وأصحابه بقريش، وذلك المراد بقوله: «تكن عنقًا قطعها اللَّه »، فأشار عليه أبو بكر بترك القتال )، و(عنقًا ) هكذا وقع في «المسند » (4/328)، وهذا يعني أنه لا يقتل قريشًا بمكة البلد الحرام لحرمتها، ولكن يميل على من ترك دياره لينصر قريشًا في حربها مع النبي صلى الله عليه وسلم وصده عن المسجد الحرام، وقد جاء معظمًا معتمرًا وقد ساق الهدي معه.

([1]) زاد أحمد: «فراحوا ».

([1]) طليعة: مقدمة الجيش.

([1]) قترة الجيش: غباره الأسود.

([1]) فقال: «من يخرجنا على طريق غير طريقهم التي هم بها »، فقال رجل من أسلم: أنا يا رسول اللَّه، فسلك بهم طريقًا وعرًا، فأخرجوا منها بعد أن شق عليهم وأفضوا إلى أرض سهلة، فقال لهم: «استغفروا اللَّه » ففعلوا، فقال: «والذي نفسي بيده إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فامتنعوا ». إشارة إلى قوله تعالى: {ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ‏} [البقرة: 58]، يعني أنه قال: استغفروا اللَّه وامتنعت بنو إسرائيل لما طلب منهم موسى أن يقولوا: {حِطَّةٌ}.

([1]) فيه جواز الاستتار عن العدو ومباغتته بالجيش طلبًا لغرته، وجواز ترك الطريق السهلة إلى الطريق الوعرة للمصلحة.

([1]) الخلأ: للإبل كالحران للخيل ؛ أي امتنعت عن السير تعبًا وعنادًا. والقصواء اسم لناقة النبي صلى الله عليه وسلم.

([1]) فيه الحكم على الشيء بما عرف من عادته، وأن من وقعت منه هفوة غير معهودة منه لا ينسب إليها، حيث رد النبي صلى الله عليه وسلم على من قال عن الناقة أنها خلأت، أي: أصابها الحران، فقال: «ما هو لها بخلق ».

([1]) وقوله: «حبسها حابس الفيل »: أي حبسها اللَّه لحرمة مكة، حتى لا يقع قتال بين مكة والمسلمين تسفك فيه الدماء، علم اللَّه أن سيخرج من أصلابهم، بل ومنهم من يسلمون ويجاهدون، وكان بمكة مؤمنون مستضعفون رجال ونساء وأبناء، وهذه من جملة الحكم العظيمة في أن حوّل اللَّه عمرة الحديبية إلى صلح وفتح.

([1]) أي الناقة، فكأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لما رأى حال الناقة أعلن أنه يوافق على ما تريده قريش من معاهدة فيها صلح، وصفه بقوله: «خطة يعظمون فيها حرمات اللَّه » أي: خطة خير فيها النفع للناس جميعًا، وفيها مرضاة اللَّه سبحانه.

([1]) حفرة قليلة الماء، وقوله: يتبرضه الناس تبرضًا ؛ يكتفون منه بالقليل يأخذونه قليلاً قليلاً بأكفهم.

([1]) أي: موضع سرِّه وأمانته.

([1]) العوذ: جمع عائذ، أي: النوق الحديثات النتاج ذات اللبن. و(المطافيل ): الأمهات التي معها أطفالها ؛ يعني جمعوا لقتاله كل ما يقدرون عليه.

([1]) بفتح الهاء أو كسرها. أي: أضعفت قوتهم.

([1]) قوله: (قد جَمُّوا ) أي: استراحوا من جهد القتال، وجاء في رواية غير هذه: «وإن ظهر الناس عليَّ، فذلك الذي يبغون ». وقوله: (حتى تنفرد سالفتي )، أي: حتى تنفصل رقبتي عن بدني.

([1]) قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مع أنه جازم أن اللَّه تعالى سينصره ويظهره على من سواه تحقيقًا لوعده سبحانه وتعالى، وهذا من قبيل التنزل مع الخصم كقوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 24]، وغيرها من نصوص القرآن التي جاءت في محاجة العدو تنزلاً معه واستدراجًا لإظهار الحق ؛ ولذا جاء في بعض الروايات: «فإن ظهر الناس عليَّ فذلك الذي يبتغون ». وفي السياق ما يفيد يقينه صلى الله عليه وسلم بالنصوص في قوله: «ولينفذن اللَّه أمره ». وفي السياق بذل النصح لقريش إبقاءً عليهم، وصلة للرحم، وقد أنهكتهم الحرب، وفيه من القوة والثبات في تنفيذ   ما  أمره اللَّه به والثبات لحكمه تعالى.

    وفي سياق القصة عند غير البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية أحب أن يبعث رجلاً من أصحابه إلى قريش يعلمهم بأنه إنما قدم معتمرًا، فدعا عمر فاعتذر بأنه لا عشيرة له بمكة، فدعا عثمان فأرسله بذلك وأمره أن يعلم من بمكة من المؤمنين بأن الفرج قريب، فأعلمهم عثمان بذلك، وكان ذلك قبل مجيء عروة بن مسعود أو بعد مجيئه، حيث أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى قريش من يبلغهم عنه، وهما بديل بن ورقاء الخزاعي، ثم عثمان بن عفان، وكانت رسل قريش هم: عروة بن مسعود، ثم الحليس من بني كنانة، ثم مكرز بن حفص، وآخرهم الوفد الذي فيه سهيل بن عمرو وأبو سفيان بن حرب.

([1]) قال ذلك لأن أمه هي سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف ؛ يعني أنكم قوم ولدتموني وأمي منكم.

([1]) عكاظ: اسم لسوق في نخل بينه وبين الطائف ليلة، وبينه وبين مكة ثلاث ليال، يقيم العرب فيه سوقًا، وكان أعظم أسواق العرب ويقيمونه في شوال، وكان يحضره شعراؤهم، وقد استنفر عروة الناس في السوق لنصرة قريش.

([1]) أي: دعوتهم للقتال نصرة لكم.

([1]) فلما بلحوا: أي امتنعوا من الإجابة.

([1]) اعترف بالحق في وصفه لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم للهدنة بأنها خطة رشد دفعًا لقول السفهاء منهم وحرصهم على القتال، وهذا من خبرة عروة بأحوال الأمم ؛ لأنه كان يفد على الملوك ويعلم أحوال الشعوب، فكان ناصحًا، ولقد كان في حواره مع المسلمين بارعًا دقيقًا، فكان أنصح مَنْ وَفَدَ من قبل قريش.

([1]) الاجتياح : الإهلاك. و(الأشواب ): الأخلاط من الناس، كالأوشاب، والأوباش، والأمر بمص البظر من الشتوم الغليظة عند العرب. وانظر إلى هذه الكلمة من الصِّديق صاحب الرقة والأدب الجم، وإنما فعل ذلك لأن عروة يعجبه أحوال الملوك، وكذلك يكونون بالغلظة والشدة عند الحرب، فأظهر الصحابة له تمام الالتفاف والتمسك بالنبي صلى الله عليه وسلم وردًّا على قوله: (أشوابًا )، فكانوا حوله كالجند حول الملك ليوقع الرعب في قلوب كفار قريش فيتركوا الحرب ويوافقوا على الصلح ويعقدوا العقد.

      فأراد عروة أن يفت في عضد المسلمين ويبين أن هؤلاء الذين حولك يا محمد ليسوا من قبيلة واحدة، بل من قبائل مختلفة يفرون إذا دخلوا إلى الحرب وتركوك، ناسيًا أن رباط الإسلام ومودته أعظم من رباط القرابة ومودتها ؛ لذا جاء إظهار المسلمين بالمبالغة في التعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم حتى لنخامته، وكان رد أبي بكر قويًّا عنيفًا على عروة لـمَّا نسب الفرار للمسلمين، وهذه من الأسلحة الحديثة في الجيوش ؛ حتى يهزموهم نفسيًّا، فتقع الهزيمة العسكرية.

      فتدبر ذلك الحوار ولا يُغْفَل الموقف الذي وَقعتْ فيه، فالقيام حول النبي صلى الله عليه وسلم وهو قاعد من نوع القيام الممنوع، لكن فعله بين يدي العدو مشروع لإرهابه، ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد أبا دجانة وقد أخذ من النبي صلى الله عليه وسلم السيف موافقًا على أن يأخذه بحقه، وجعل أبو دجانة يسير بين الصفين يتبختر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها لمشية يبغضها اللَّه، إلا في مثل هذا الموطن ».

    فتدبر هذا، وضع كل عمل في مناسبته يفتح اللَّه لك الفهم الصحيح.

([1]) في قول عروة: (لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك ) ؛ لأن أبا بكر قد أعان عروة لما تحمل الديّة بعون حسن (عشر قلائص )، وكأن عروة يقول: أنا أحفظ الإحسان وأنتم جئتم تحاربون قريشًا وهم آباؤكم وإخوانكم وأهلكم، وكأنه أراد ألا يظهر الضعف عن الرد، إنما ترك الرد إحسانًا منه مع قدرته عليه، وهذا يظهر براعة عروة في الحوار، وأنه لا يريد أن يشتت القول، ولا أن يتشعب في الحديث، وهذا مما تعلمه في مجالس الملوك.

([1]) قال الحافظ: كانت عادة العرب أن يتناول الرجل لحية من يكلمه، ولا سيما عند الملاطفة، وفي الغالب إنما يصنع ذلك النظير بالنظير، لكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يفضي لعروة عن ذلك استمالة له، وتأليفًا، والمغيرة يمنعه إجلالاً للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا.

([1]) هو ما يكون أسفل قراب السيف من فضة أو غيرها، يضرب المغيرة يد عروة به زجرًا له عن أن يمد يده للحية النبي صلى الله عليه وسلم.

([1]) (غُدَرُ ) يعني: يا مَن فِعْلُه كله الغدر. وهذا أيضًا من حصافة عروة وسرعة بديهته في الرد دون أن يتشعب عن التفاوض الذي جاء من أجله.

([1]) أي: ألست أسعى في دفع شر غدرتك، يشير عروة بهذا إلى ما وقع من المغيرة قبل إسلامه، وقتله ثلاثة عشر نفرًا من ثقيف غدرًا، فالمغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب، وعروة عم أبيه.

([1]) قال الألباني – رحمه اللَّه -: فعلوا ذلك تبركًا به صلى الله عليه وسلم وحبًّا له، وقد أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم عليه لحكمةٍ بالغةٍ، ظهرت فيما يأتي من القصة، وقد جاءَ ما يُشْعِرُ أن النبي صلى الله عليه وسلم صرفهم عن ذلك في حادثة أخرى، كما حققته في بعض مؤلفاتي. انظر «سلسلة الأحاديث الصحيحة » (2998). اهـ.

    وقد ساق الألباني، رحمه اللَّه تعالى، عند الحديث المذكور في «السلسلة الصحيحة » حديثًا قواه بطرق ذكرها قال: نزل بالنبي صلى الله عليه وسلم أضياف من البحرين، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بوضوء فتوضأ، فبادروا إلى وضوئه فشربوا ما أدركوه وما انصبت منه في الأرض فمسحوا به وجوههم ورءوسهم وصدورهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما دعاكم إلى ذلك ؟ » قالوا: حبًّا لك، لعل اللَّه يحبنا يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «إن كنتم تحبون أن يحبكم اللَّه ورسوله فحافظوا على ثلاثة خصال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وحسن الجوار ». ثم ذكر شاهدًا جاء فيه: «من كان منكم يحب أن يحبه اللَّه ورسوله فليصدق الحديث، وليؤد الأمانة، ولا يؤذ جاره ».

    فتدبر كيف صرفهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى التبرك بالآثار وهو مشروع إلى العمل الصالح الذي لا يزول بزوال الآثار، فماء الوضوء ينتهي وصالحات العمل تتجدد وتتسع لكل عامل، فمن فقد ماء الوضوء لا يفقد صدق الحديث ولا حسن الجوار ولا أداء الأمانة.

    وتدبر فإن الكثير وقف عند كلام عروة لوصفه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في معركة ينتظرونها ليظهروا للمفاوضين شدة الحب والتماسك وجميل الالتفاف حول النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إنهم يدلكون جلودهم بالنخامة النبوية، وفعل ذلك في ميدان المعركة الذي يضعف من عزم العدو يصير جميلاً في موضعه، هذا وإن رغمت أنوف السفهاء.

    ولو نظرت لعلمت حرمة القيام للجالس، ومع ذلك كان المغيرة قائمًا عند رأس النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس ؛ لأن المقام مقام غزو وحرب، وإنما كان ذلك أمام عروة الذي تعجبه أبهة الملوك، وفي اختيار المغيرة ليقوم هذا المقام بيان لعروة أن الحارث عندنا ثقفي وهو ابن عمك، كل ذلك ليرجع إلى قريش بخبر عاينه يوصل إلى الهدف من الهدنة والعمرة التي جاءوا من أجلها، فما أجهل أولئك الذين يعيبون هذا الأمر ويسمون الحديث الجميل الطويل في الحديبية يسمونه حديث النخامة، وإنما عمدت إلى ذلك الحديث بطوله ليعلم من السياق الكامل للقصة مناسبتها، وسوء القصد لمن انتزع العبارة من سياقها وجعلها عادة للصحابة، وإن كان التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم ثابت بالأحاديث الصحيحة، ومن شاء فليراجع ما كتبته في باب السنة عدد شهر ذي الحجة 1416 هـ، والصحابة لم يتبركوا بآثار أحد غير النبي صلى الله عليه وسلم، وفعلها في هذا الموطن إنما هو من قبيل جهاد العدو وإغاظته وبث الرعب في قلوبهم، فالمبالغة في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي العدو يقابلها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس في مسجده لا يتميز عن أصحابه، كما جاء في حديث ضمام بن ثعلبة لما وفد على النبي صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد ينظر للقوم قائلاً أيكم محمد ؟ قالوا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فتدبر هذا لتعلم أن السياسة النبوية أبلغ سياسة للأمة، تلك السياسة أخرج اللَّه بها من أرذل أمة (أمة المقت )، خير أمة أُخرجت للناس.

([1]) والحوار في مجلس قريش قد حضره أكابر حلفائها يتفاوضون،   تريد قريش أن تصد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن البيت تعنتًا منهم وكبرًا، ولا تريد أن تخسر حلفاءها ؛ فتريد أن تظهر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في صورة المعتدي الذي جاء يريد القتال والشر، فلما جاءهم عروة بن مسعود وقد أعجبه ما رآه من المسلمين وجمعهم وتمسكهم بدينهم، جاء دور الأحابيش، وكان الحليس من بني كنانة من رءوسهم قال: (أبى اللَّه أن تحج لخم وجذام وكندة وحمير ويمنع ابن عبد المطلب، حيث جاء للمسلمين مفاوضًا فدفعوا الهدي في وجهه فرآها قد عجفت من طول حبسها عاد وهو يقول: (هلكت قريش ورب الكعبة، إن القوم إنما أتوا عمارًا )، ولم يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعاد يقول: يا معشر قريش، ما على هذا عاقدتكم، أيصد عن البيت من جاء معظمًا له ؟ فقالوا: كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى ).

وهكذا ظهر لحلفاء قريش ضعف حجتهم وسوء مقصدهم وسلامة مقصد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وظهر أن العرب يعظمون حرمات البيت على بقايا دين إبراهيم، ولكن قريش أخذتها العزة بالإثم بدعوى الجاهلية، فصبوا ذلك في حوارهم، وظهر ذلك كله في مفاوضة سهيل بن عمرو وما أملاه في العقد.

([1]) قال الألباني – رحمه اللَّه -: هذا مرسل عكرمة، فليس هو على شرط «الصحيح »، وقال الحافظ: «ولم أقف على من وصله بذكر ابن عباسٍ فيه، لكن له شاهد موصولٌ عند ابن أبي شيبة من حديث سلمة بن الأكوع، وللطبراني نحوه من حديث عبد اللَّه بن السائب ».

    وحديث سلمة في «مصنف ابن أبي شيبة » (14/440)، رجاله ثقات غير مولى ابن عبيدة، وهو ضعيف، وفي إسناد الطبراني مؤمل بن وهب المخزومي، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد » (6/146): «تفرد عنه ابنه عبد اللَّه، وقد وثِّق، وبقية رجاله رجال الصحيح ».

    وأقول: عبد اللَّه بن المؤمل ضعيف، وأبوه مجهول، وبيانه في كتابي الجديد «تيسير انتفاع الخلان بكتاب ثقات ابن حبان » يسر اللَّه تمامه ونشره. اهـ. (الألباني ).

([1]) هو علي بن أبي طالب، رضي اللَّه عنه.

([1]) أي: دخل علينا مكة عنوة.

([1]) في رواية: (على أنه من أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشًا ممن يتبع محمدًا لم يرده عليه )، وكأن سهيل بن عمرو قد أملى ما يحيك في صدره، لكن حقق اللَّه الخير للمسلمين بقَدَرِه، وجعل تدبير المشركين فيه الخير الكامل للمسلمين، وبيان ذلك أن  عبد اللَّه بن سهيل بن عمرو مع المسلمين يرجو أن يرجع إليه، وأبو جندل بن سهيل بن عمرو مقيدًا في بيته بالقيود يخشى عليه أن يأتي مسلمًا فأملى العقد على ما يهوى، وذلك جعله رب العزة باب فرج على المسلمين، حيث كان هذا القيد الذي وضع في العقد اكتفى به المشركون ففكوا القيود من أرجل وأيدي أبنائهم المسلمين فخرجوا إلى المدينة فلم يؤووهم، بل ردوهم وفاءً للعهد وعملاً بالعقد، فذهبوا إلى ممر تجارة قريش فقطعوها فاستعانت قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يقبل هؤلاء وينزل عن هذا البند من العقد، والحمد للَّه الذي يمضي قدره ولو بيد أعدائه الكافرين ؛ لذلك سمى اللَّه سبحانه هذا الصلح فتحًا، فقال تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} [الفتح: 1]، ولذلك جاء في حديث أنس عند مسلم: (إن قريشًا صالحت النبي صلى الله عليه وسلم على أنه من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه إلينا، فقالوا: يا رسول اللَّه، أنكتب هذا ؟ قال: «نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده اللَّه، ومن جاء منهم إلينا فسيجعل اللَّه له فرجًا ومخرجًا » ؛ لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإنا لا نغدر، وإن اللَّه جاعل لك فرجًا ومخرجًا ).

    l فائـــدة: كان لسهيل بن عمرو ولدان: الأول عبد اللَّه، وقد أسلم قبل الهجرة، ثم هاجر إلى الحبشة، فلما عاد منها حبسه   أبوه سهيل بن عمرو، فأظهر الرجوع عن دينه، وقلبه مطمئن بالإيمان، فلما كان يوم بدر خرج مع أبيه، فلما بلغ بدرًا فمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وشهد الحديبية، وكان من شهود العقد، وقع عن المسلمين، وكان لسهيل بن عمرو ولدًا أصغر منه هو أبو جندل، كان قد أسلم فقيده أبوه ؛ ولذلك أملى سهيل في العقد ما أملاه، يريد رجوع عبد اللَّه عن إسلامه، ويخشى أن يفر أبو جندل، فيحب رجوعه إليه، وكان في ذلك العقد تعبيرًا عما في نفس سهيل بن عمرو، لكن اللَّه خفف عن المستضعفين من المسلمين، فخفف أهلهم قيودهم، فكان فتحًا مبينًا، وذلك هو الفرج والمخرج الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، فكان العقد كله خير، مع أن الذي أملاه المشركون، وهكذا كل نص وضعه بشر، فإنما هو تعبير عما في نفوسهم، ولكن كله بقدر اللَّه الذي هو على كل شيء قدير.

([1]) مكرز هذا هو الرجل الفاجر من قريش قال هذه الكلمة وافق فيها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في رأيه في عدم رجوع أبي جندل مع أبيه، قال: قد أجزناه لك، وذلك يدل على أن المشركين لم يكونوا على قلب رجل واحد، وكان كل واحد إنما يدعو لأمر يهواه.

([1]) كان الأمر شديدًا على المسلمين شدة بالغة، ووقعت منهم مسائل لم يكد يسلم منها إلا أبو بكر الصِّديق لكمال إيمانه وعقله ويقينه، فهذه منزلة الصديقين، أما عمر وهو أعلى قمة في الإيمان بعد أبي بكر، فمما حدث من عمر أنه وثب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه وهو مع أبيه وقال له عمر: (اصبر فإنما هم مشركون وإنما دم أحدهم دم كلب، قال: ويدني قائمة السيف منه، يقول عمر: رجوت أن يأخذه مني فيضرب أباه فضن الرجل بأبيه ونفذت القضية )، وكذلك يقول عمر: لقد دخلني أمر عظيم وراجعت النبي صلى الله عليه وسلم مراجعة ما راجعته مثلها قط. فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل ؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ فعلام نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولم يحكم اللَّه بيننا ؟ فقال: «يا ابن الخطاب، إني رسول اللَّه ولن يضيعني »، فرجع متغيظًا فلم   يصبر حتى جاء أبو بكر، ولذا كان عمر يقول: اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني أرد أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم برأيي، قال: فرضي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبيت حتى قال لي: «يا عمر، تراني رضيت وتأبى ». وكان الصحابة لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا الصلح دخلهم في ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون )، وكانت الرؤيا أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رأى في منامه أنه يعتمر، وأنه دخل هو وأصحابه البيت، فلما رأوا تأخير ذلك شق عليهم، وكان الصحابة على رأي عمر باستنكار الصلح، ولم يكن ذلك شكًّا من عمر والصحابة، بل طلبًا لكشف ما خفي عليهم وطلبًا لإذلال الكفار ونصرًا لدين اللَّه، ومع ذلك كان عمر يقول: مازلت أتصدق وأصوم وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به، ويقول: لقد أعتقت لذلك رقابًا وصمت دهرًا. وتلك الأعمال التي صدرت من عمر هو فيها معذور، بل عليها مأجور ؛ لأنه فعلها اجتهادًا ولم يعص فيها للَّه ورسوله أمرًا إنما خفي عليه الحكمة، ولقد خفيت من قبله مثلها على موسى مع الخضر عليهما السلام.

([1]) يدل ذلك على أن الكلام يحمل على عموم لفظه وإطلاقه حتى تظهر إرادة التخصيص والتقييد، وأن من حلف على فعل شيء ولم يذكر مدة معينة لا يحنث حتى تنقضي أيام حياته.

([1]) الغرز للإبل بمنزلة الركاب للفرس، والمراد به التمسك بأمره، وترك المخالفة له، كالذي يمسك بركاب الفارس فلا يفارقه ؛ أي تعلق به واتبع قوله وفعله ولا تخالفه.

([1]) وهذا دلالة على أن أبا بكر كان أكمل الصحابة وأعرفهم بحال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأعلمهم بأمور الدين وأشدهم موافقة لأمر اللَّه تعالى، وكان قلبه على قلب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سواء، حتى إنه   أدرك ما لم يدركه عمر، فضلاً عن غيره من الصحابة الكرام رضوان اللَّه عليهم.

([1]) أي: من أنواع الحسنات مثل الصدقة والصوم والصلاة والعتق لتُذْهِب عني سيئ ما قلته يومئذ.

([1]) وقد أشهد النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك العقد رجالاً من المؤمنين والمشركين، منهم: أبو بكر، وعمر، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن مسلمة، وعبد اللَّه بن سهيل بن عمرو، وشهد على ذلك مكرز بن حفص وهو مشرك وسماه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فاجرًا، ومكرز هذا هو الذي جاء المدينة بعد بدر لما أسر سهيل بن عمرو وضع رجليه في القيد مكان سهيل حتى يرجع فيأتي بالفداء، وقد مات على الكفر، وأسلم سهيل وحسن إسلامه، فللَّه في خلقه شئون !

([1]) إنما كان ذلك من فرط الحزن الذي دخلهم، ولغياب الحكمة الإلهية من ذلك وكانت البركة والخير في مشورة أم سلمة، ولعل الصحابة رضوان اللَّه عليهم كانوا يرجون من اللَّه فرجًا بوحي ينزل على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يدخلون به إلى الكعبة مُحْرمين يطوفون، فلم يقوموا حتى قام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى هديه فنحره ثم أمر الحلاق فحلق له، ولا يجوز مثل ذلك لمن بعدهم ؛ لأن الوحي قد كمل، والشرع قد تم ؛ ولذا قالت أم سلمة رضي اللَّه عنها: يا رسول اللَّه، لا تكلمهم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح، ولعلها أدركت أن الصحابة فهموا أن التحلل رخصة، وأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سيأخذ بالعزيمة فلا يتحلل، فأشارت عليه بالتحلل لينفي عنهم هذا الاحتمال، فلما فعل ذلك بادر الصحابة ففعلوا، مع ما هم فيه من غم شديد. وفي ذلك فضل المشورة، وفيه أن الفعل إذا أضيف إلى القول كان أبلغ في الحكم والبيان.

([1]) وروى ابن إسحاق عن ابن عباس قال: حلق رجال يومئذ وقصر آخرون، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «يرحم اللَّه المحلقين ». قالوا: والمقصرين، فقال: «يرحم اللَّه المحلقين ». وقال في الثالثة: «والمقصرين ». قالوا: يا رسول اللَّه، لم ظاهرت للمحلقين دون المقصرين ؟ قال: «لأنهم لم يشكوا ». وحديث الدعاء   للمحلقين جاء في البخاري ومسلم من حديث ابن عمر وأبي هريرة رضي اللَّه عنهما، وجاء أيضًا عن أبي سعيد وحبشي بن جنادة، ومجموع الأحاديث يدل على أن الدعاء تكرر في حجة الوداع، ولعل ذلك لأن العرب كانوا يحبون توفير الشعر يتزينون به، وكان الحلق فيهم قليل، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم للمحلقين حثًّا لهم على ذلك ؛ لأن الحلق أبلغ في العبادة وأبين للخضوع والذلة وأرجى لصدق النية، والذي يقصر يبقى لنفسه شيئًا يتزين به بخلاف الحالق، فإنه يشعر بأنه ترك ذلك للَّه تعالى.

([1]) للَّه عز وجل حكم بالغة، وإنما جعل المسلمين في هذه الشدائد ليرفع درجاتهم ويضاعف ثوابهم، ومع ذلك جعل اللَّه سبحانه هذا الصلح فتحًا مبينًا حيث لما انصرف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من مكة نزلت عليه سورة الفتح. فما كان فتح في الإسلام أعظم من صلح الحديبية، لأن الهدنة لما وقعت أمن الناس فكلم بعضهم بعضًا والتقوا وتفاوضوا في الحديث فدخل في هذه المدة كثير ممن دخل من المشركين، ولقد دخل في هاتين السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر من صناديد قريش، وكان ذلك مقدمة للفتح الأعظم، فتح مكة، فكان الأمر في الحديبية في صورته الظاهرة ضيمًا للمسلمين، وفي الباطن عزًّا لهم، حيث اختلط المشركون بالمسلمين بغير نكير عليهم، وأسمع المسلمون المشركين القرآن وناظروهم على الإسلام مجاهرين آمنين بعد أن كانوا لا يتكلمون بذلك إلا خفية وظهر من كان يخفي إسلامه، فذل أهل الشرك وعز أهل الإسلام وعامل اللَّه المشركين بضد مقصودهم، بل إن الفتح في ذلك فك قيود المقيدين ؛ لأنهم إن ذهبوا إلى المدينة رجعوا بمقتضى العقد، وكان في ذلك تخويف قريش من أبي بصير وأبي جندل على تجارتهم فطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبل هؤلاء فلا يردهم، وكأنه هو الذي منعهم فصاروا بغرورهم أذلة، وبكبرهم ضعفاء، والحمد للَّه رب العالمين.

      فتدبر أن ذلك وقع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي جندل: «إن اللَّه جاعل لك فرجًا ومخرجًا ».

     ولقد كان في الشهر الذي وقع فيه صلح الحديبية ذي الحجة من العام السادس رجوع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هو نفس الشهر الذي بعث فيه الرسول يدعو الملوك والزعماء للإسلام، فأرسل رسلاً، وكتب معهم كتبًا، وأرسل بها إلى كسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس وملوك اليمن، فكان منهم من أسلم كالنجاشي، ومن أحسن الرد بالقول كهرقل، ومنهم من أهدى الهدايا للنبي صلى الله عليه وسلم كالمقوقس، ومنهم من أساء ذلك ككسرى، فمزق الكتاب، فدعى عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يمزق ملكه، فمزقه اللَّه شر ممزق، فكان حاطب بن أبي بلتعة رسوله إلى المقوقس، وشجاع بن وهب بن أسد رسوله إلى الحارث الغساني، ودحية بن خليفة الكلبي رسوله إلى قيصر، وهو هرقل ملك الروم، وعبد اللَّه بن حذافة السهمي رسوله إلى كسرى ملك الفرس، وسليط بن عمرو العامري  رسوله  إلى هوذة بن علي الحنفي، وعمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة، ومن الفتح في هذا الصلح أيضًا أن أمن الناس، فكان فتح خيبر بغزو آخر معاقل اليهود، ففاض بذلك المال، ومن الفتح في هذا الصلح أن أمن الطريق، فجاء من لم يكن يستطيع الهجرة، فكان مجيء مهاجرة الحبشة جعفر بن أبي طالب ومن معه، وكذلك قدوم أهل دوس الذين أسلموا على يد الطفيل بن عمرو الدوسي، وكان معهم أبو هريرة، فتدبر ذلك الفتح العظيم. وفوائد صلح الحديبية عظيمة كثيرة. والحمد للَّه رب العالمين.

([1]) ظاهره أنهن جئن مهاجرات إليه وهو بالحديبية، وليس كذلك، وإنما جئن إليه بعد في أثناء المدة، كما هو صريح الرواية الثانية. وكان ممن هاجر من النساء أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وأميمة بنت بشر وسبيعة بنت الحارث الأسلمية وأم الحكم بنت سفيان وبروع بنت عقبة وعبدة بنت عبد العزى بن نضلة.

([1]) أي: شابة أو أشرفت على البلوغ.

([1]) وأخرج البخاري عن عائشة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يمتحنهن بهذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *  وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ * ‏ ‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الممتحنة: 10- 12]، فكان من أقر بهذا الشرط منهن قال لها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: قد بايعتك كلامًا يكلمها به، واللَّه ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، وما بايعهن إلا بقوله.

([1]) فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بصير، إن القوم صالحونا على ما علمت وإنا لا نغدر، فالحق بقومك »، فقال: أتردني إلى المشركين يفتنوني عن ديني ويعذبونني ؟ قال: «اصبر واحتسب فإن اللَّه جاعل لك فرجًا ومخرجًا ». (وفي رواية: أن عمر قال له: أنت رجل وهو رجل ومعك السيف ).

([1]) أي: مات.

([1]) هي كلمة ذم تقولها العرب في المدح، ولا يقصدون معنى ما فيها من الذم ؛ لأن الويل: الهلاك.

    (مسعر حرب ): قال الحافظ: أصله من مسعر حرب، أي: يسعرها ويوقدها.

    قال الخطابي: كأنه يصفه بالإقدام في الحرب والتسعير لنارها، (لو كان له أحد ): أي ينصره ويعاضده ويناصره، وفيه إشارة إليه بالفرار لئلا يرده إلى المشركين.

([1]) أي ساحل البحر على ممر تجارة قريش، واجتمع له عدد كبير بلغ به بعضهم أربعين، وقيل: سبعين، قطعوا الطريق على قريش، فيهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو.

([1]) أي: إلا أرسل: يعني إليهم كما في رواية أحمد، أي: إلى أبي بصير وعصابته، وزاد ابن إسحاق في «السيرة » (3/338): «فآواهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقدموا عليه المدينة ». فانظر إلى كيد المشركين ومكرهم قد غلبهم اللَّه فيه {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا *  وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطارق: 15، 16]، {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30]، فلما كان المسلمون عاملين بأمر اللَّه تعالى جعل اللَّه كيدهم مردودًا، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم كتابًا فوصل الكتاب وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في يده فدفنه أبو جندل، ثم قدم بمن معه إلى المدينة، عندئذ علم الذين أشاروا بأن لا يسلم أبا جندل إلى أبيه، علموا أن الخير في طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه أفضل وإن كرهوه. وفي القصة أن قتل المشرك المعتدي ليس غدرًا كما فعل أبو بصير ؛ لأنه دافع بذلك عن دينه، وأنه لا قَوَد عليه ولا دية. والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يرد من جاءه مسلمًا إلا إذا أرسلوا في طلبه.

بقلم / صفوت نور الدين

أخبار متعلقة

شيخ الأزهر يرد على الإساءة للرسول الكريم

استنكر شيخ الأزهر أحمد الطيب الرسوم المسيئة التي أعادت نشرها صحيفة “شارلي إيبدو” الفرنسية الساخرة، ووصفها بأنها “جريمة في حق الإنسانية”. وقال الطيب -في منشورات...

انحراف البشرية عن التوحيد وأسبابه

د. عبد الله شاكر الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، والصلاة والسلام على من أرسله...

ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق

  إعداد: مصطفى البصراتي الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعدُ: ففي هذا العدد نتكلم عن مثل من الأمثال الموجودة...

قصة مرض الصحابي خوات بن جبير ووصية النبي صلى الله عليه وسلم له

قصة مرض الصحابي خوات بن جبير ووصية النبي صلى الله عليه وسلم له إعداد: علي حشيش الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعدُ: نواصل في هذا...

اترك رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا